غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
يعيش محمد جبر (42 عامًا)، الأب لأربعة أبناء، في أحد الأزقة الضيقة بمخيم دير البلح للاجئين الفلسطينيين، وسط قطاع غزة، حيث أمضى حياته كلها هناك لاجئًا.
عاصر جبر كفاح أجيال متتالية من الفلسطينيين الذين اعتمدوا على خدمات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) منذ طفولتهم، ولكن عندما سمع بقرار دولة الاحتلال حول حظر التعامل معها، شعر بثقله، كما لو كان صفعة جديدة طالت وجوه اللاجئين كلهم مرةً واحدة!

وكانت ما تسمى بـ"لجنة الخارجية والأمن" في الكنيست الإسرائيلي، وافقت في 13 أكتوبر/تشرين الأول الجاري على مشروع قانون لحظر نشاط (أونروا)، ما يعني إلغاء اتفاقية عام 1967م، التي سمحت للوكالة بالعمل داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة.
"أحلام ضائعة"
يقول جبر لموقع "نوى": "إنها ليست مسألة مساعدات، بل قضية وجود. إذا فقدنا الأونروا، ماذا سيحل بأولادنا؟ كيف سنضمن لهم التعليم والرعاية الصحية بعد الآن؟".
وبرغم الحرب المندلعة منذ السابع من أكتوبر/ تشرين أول 2023م، وتوقف عمل المدارس للعام الثاني على التوالي، وتحول معظمها لمراكز إيواء للنازحين، تترقب ابنته ريم اليوم الذي يعلنون فيه انتهاء "الإبادة" وعودة أيام الدراسة، لكنها -بعد سماع الخبر- صارت أكثر قلقًا على مستقبلها "وإن انتهت الحرب"، وتتساءل: "كيف سأتابع تعليمي؟ كيف سأحقق حلمي بأن أصبح معلمة؟".
ولا يقتصر تأثير القرار على التعليم فقط، بل يمتد ليشمل الجانب الصحي والغذائي والإنساني أيضًا.

يعاني جبر من مرض السكري، ويحتاج إلى متابعة طبية مستمرة وأدوية يوفرها مركز الرعاية الصحية التابع لـ"أونروا" في المخيم. يعقب: "بدون هذا المركز، كيف سأتمكن من متابعة حالتي الصحية؟ الأدوية باهظة الثمن، ولا أستطيع تحمل تكلفتها".
وليس جبر وحده من يعتمد على خدمات "أونروا"، إذ يعيش سكان المخيم على المساعدات الصحية المقدمة، وخاصة العائلات التي تضم أطفالًا صغارًا يعانون من سوء التغذية والأمراض الموسمية.
"كيف سنوفر طعامنا؟"
في حي الدرج أحد أحياء مدينة غزة القديمة، حيث يتناثر ركام الحرب بين المنازل المدمرة، تقف أم سليم، التي تحمل في عينيها قصة معاناة طويلة.
قبل عشرة أعوام، وفي عام 2014م تحديدًا، فقدت أم سليم زوجها في قصفٍ إسرائيلي لسيارة مدنية كان يستقلها، حتى أصبحت مسؤولة عن تربية أبنائها الثلاثة، ومنذ ذلك الوقت تعدُّ السيدة المساعدات الغذائية -التي كانت تقدمها الأونروا قبل الحرب- بشكل دوري للاجئين، مصدرها الرئيس للحصول على الطعام".

تقول لـ"نوى": "كنت أستلم سلة الغذاء، وأعرفُ أنني سأتمكن من إطعام أبنائي لشهر آخر. صحيحٌ أن الأمر اختلف الآن بسبب الحرب، لكن يفترض أن يبقى دور الأونروا فاعلًا بعد انتهائها".
ومع انتشار أنباء قرار سلطات الاحتلال بحظر التعامل مع "أونروا"، سيطرت حالة من القلق الشديد على أم سليم. تُكمل: "لقد فقدتُ زوجي، وأطفالي فقدوا أمنهم واستقرارهم منذ ذلك اليوم. اليوم، نحن نواجه حربًا أخرى، غير القصف والنار. حروب ضد لقمة العيش، وحق الصحة والتعليم. إذا توقفت أونروا عن تقديم مساعداتها، فسوف نكون في العراء تمامًا".
تداعيات القرار
وحذر علي هويدي، رئيس لجنة "الأونروا" في المؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج، من خطورة قرار دولة الاحتلال بحظر عمل وكالة الغوث، عادًا أنه يشكل تهديدًا كبيرًا للحقوق الإنسانية الأساسية للاجئين الفلسطينيين ويضاعف معاناتهم.
وفي حديث لـ"نوى"، أوضح أن "أونروا" منذ تأسيسها عام 1949م، تعدُّ المؤسسة التي يعتمد عليها ملايين اللاجئين الفلسطينيين للحصول على خدمات التعليم والرعاية الصحية والإغاثة الاجتماعية، "وإذا مُنع عملها، سيُحرم اللاجئون من هذه الخدمات الأساسية، مما سيفاقم الأزمات في المخيمات المكتظة التي تعاني ظروفًا معيشية قاسية".

وأضاف هويدي: "دولة الاحتلال تشن حملة مكثفة لتحريض المجتمع الدولي ضد الأونروا، بهدف إنهاء عملها داخل الأراضي الفلسطينية، والانتقال بعدها إلى المناطق الأخرى التي تعمل فيها، مثل سوريا والأردن ولبنان".
وتستند هذه الحملة إلى مزاعم بأن الوكالة تدعم المقاومة الفلسطينية، متهمة إياها بانعدام الحياد، وبتوظيف أفراد مرتبطين بفصائل مقاومة، فضلًا عن زعم وجود أنفاق تحت منشآتها، وترويج مناهجها لخطاب تحريضي ضد الاحتلال.
وأشار هويدي إلى أن هذه الحملة الإسرائيلية ساهمت في دفع 17 دولة غربية لتعليق مساهماتها المالية للوكالة، رغم استئناف الدعم من 7 منها لاحقًا، بينما بقيت 10 دول مستمرة في تعليق دعمها.
وشدد هويدي على الآثار الكارثية لهذا القرار، مشيرًا إلى أن "أونروا" تقدم خدمات حيوية لأكثر من 6 ملايين لاجئ فلسطيني، تشمل الرعاية الصحية والتعليم والإغاثة، كما توظف نحو 30 ألف فلسطيني.

وأكد أن إيقاف هذه الخدمات سيفاقم من الأعباء الاقتصادية على اللاجئين، الذين يواجهون عجزًا ماليًا متزايدًا في الوكالة.
من الناحية السياسية، عدَّ هويدي إنهاء دور "أونروا"، سلبًا لصفة "لاجئ"، مما يضعف قضية اللاجئين الفلسطينيين، ويمحو الشاهد الدولي على جريمة النكبة، وهو ما سيؤدي تدريجيًا إلى تآكل حق العودة لصالح مشاريع توطين اللاجئين، مما يمثل مكسبًا سياسيًا لدولة الاحتلال.
أما على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي، فإن غياب خدمات "أونروا"، سيؤدي إلى تفاقم معدلات الفقر والبطالة والتسرب المدرسي، وسيزيد من عمالة الأطفال بين اللاجئين، مما يخلق بيئة محفزة للتطرف والانحراف ويؤثر سلبًا على الدول المضيفة والمنطقة.
واختتم هويدي بتأكيده أن الحل الحقيقي لمعاناة اللاجئين يكمن في تحقيق حق العودة إلى ديارهم، "وعندها فقط يمكن إنهاء عمل الأونروا" يقول.
























