غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
لم تكن مُهمّة تلك المسافة الطويلة. لم يكن مهمًا أن يقع استهداف هنا أو هناك، "ليس مهمًا أن أموت. المهم، ألا يعاني أطفالي البرد" تقول ضحى السقا، النازحة مع أفراد عائلتها من مدينة غزة إلى جنوبي القطاع، في الثالث عشر من أكتوبر لعام 2023م.
ضحى، الأم لطفلين، ترى أنها لا تستطيع توفير الأمن لأطفالها تحت القصف المتواصل الذي يطال كافة أرجاء القطاع، وتضيف: "ننجو من الموت بالصدفة! ولكننا ننجو، ولنا بقية من حياة، علينا أن نستطيع إذن توفير ما نستطيع من احتياجات أطفالنا، وأهمها اليوم الملابس الشتوية".
ويؤرق ضحى، ومعظم الأمهات في جنوبي قطاع غزة، أزمة توفير ملابس ثقيلة لأطفالهن على أبواب الشتاء، حيث نزح الجميع من مناطق مدينة غزة وشمالها على اعتبار "يومين وراجعين" قبل أكثر من عام، بدون شيء! بأوراقهم الثبوتية، وبعض المال، وقطع قليلة من الملابس التي كانت في حينها تناسب الخريف، ومعظمها صيفي.
تتابع: "مع تكرار النزوح من منطقة إلى أخرى، لم يعد لدينا ملابس، حتى الذي استطعنا توفيره في بداية النزوح وحافظنا على حمله معنا اهترأ بسبب الغسيل اليدوي وقلة المنظفات".
وعلى مسافة أربع ساعات سيرًا على الأقدام، لم تجد ضحى ما يناسب أطفالها ويتناسب مع ميزانيتها، فـ"إسرائيل" تُحكِم حصار القطاع بشكل تام، لا ملابس. لا منظفات. لا فوط صحية. لا أحذية. لا أدوية. وأما الغذاء فهو بكميات قليلة وأنواع محددة تأتي على شكل مساعدات إنسانية، تُسرق قبل أن تصل إلى مستحقيها، فيشتريها المحاصرون بأثمان باهظة.
تتابع: "عدتُ حزينة، لأنني قطعت مسافة كهذه دون جدوى. المتوفر في السوق بجودة رديئة وأسعار خيالية، ولا أعرف ما الحل؟ أنا فعلًا حزينة ومهزوزة".

ومثل ضحى هناك ياسر عليان، الأب لخمسة من الأبناء والبنات. نزح ياسر إلى مواصي خانيونس جنوبي القطاع، ويعاني الأزمة ذاتها التي أثقلت قلوب النازحين وعقدت تفاصيل حياتهم.
يقول: "على مضض، تقبلت النزوح. تقبلت الخيمة. تقبلتُ النزوح المتكرر. تقبلتُ فكرة الموت وأنتظرها، لكن في مرحلة الانتظار هذه أحمل هم توفير ملابس لأبنائي بعد أن احترق ما كان لديهم في خيمة مجاورة، كنت قد وضعت فيها ملابس العام الماضي التي استطعت تدبيرها".
منذ مدة، يذهبُ ياسر بشكل شبه يومي للبحث عن الملابس التي تناسب الشتاء، كل ما هو موجود مستخدم، انتشله الناس من بين الركام، ويبيعونه من أجل توفير لقمة عيش لهم، بينما يكتفون بأقل القليل من المتوفر لديهم.
عن الأسعار يخبرنا: "سعر "البيجامة" لطفل لا يتجاوز الخمس سنوات وصلت إلى 180 شيكلًا"، مضيفًا: "يا ليتها تستحق هذا السعر! في الوضع الطبيعي قبل الحرب كان سعرها لا يتجاوز الـ20".
معظم الناس في القطاع لم يعد لديهم منازل، صقيع الخيمة يشتد في ساعات المساء، والكل يتساءل: كيف سيكون الحال في الشتاء؟
"البرد ينخر عظامي في الليل. ألبستُ أطفالي قمصانًا تخصني لتدفئتهم، بينما أنا أرتجف، وأحتاج إلى أية قطعة تدفئ قلبي".
تقول أماني أبو العطا: "البرد ينخر عظامي في الليل. ألبستُ أطفالي قمصانًا تخصني لتدفئتهم، بينما أنا أرتجف، وأحتاج إلى أية قطعة تدفئ قلبي"، مردفةً بحسرة: "هي الحرب التي أذلتنا جميعًا".
تبكي أماني كلما عادت بذاكرتها إلى الشتاء الماضي، وتنتحب عندما يسألها أطفالها باستمرار: كيف سنتدبر أمرنا يا ماما؟ فتجيبهم لتطمئنهم: "سنجد طريقة".
يخيل لها أحيانًا أن السماء تسقط ملابس بدل الأمطار! أو بالأحرى بدلًا من الصواريخ، لكنها سرعان ما تستيقظ على وقع انفجار قريب يزلزل قلبها، تمامًا كما يفعل "العوز" بقلب أمٍ لا تجد ثيابًا من أجل أطفالها.
























