شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م17:12 بتوقيت القدس

في اليوم الدولي للقضاء على الفقر..

غزّيات يبعنَ حليّهن.. لأجل "اللُّقمة"!

17 اكتوبر 2024 - 13:42

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لم يكن أمام عبد الرحيم بدرة (٥٢ عامًا)، الأب لسبعة أبناء، خيارًا آخر سوى أن يقنع زوجته ببيع خاتم زواجهما، بعد أن نفدت خياراته للإنفاق على أسرته.

 لم تكن الزوجة تعلم أن هذا الخاتم سيلحقه بيع جميع حليّها الذهبية، التي جمعتها طوال ٣٠ عامًا من الزواج، واحدةً تلو الأخرى.

ومع اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في السابع من أكتوبر/ تشرين أول للعام ٢٠٢٣م، نزح بدرة برفقة عائلته من بيتهم في شمالي القطاع إلى جنوبه هربًا من قصفٍ لا يتوقف، لكنهم تركوا خلفهم كل شيء: العمل، المنزل، حتى الكرامة التي كانت ترتبط بامتلاكهم لمصدر رزق.

في مراكز الإيواء، يتجمع النازحون شمالي القطاع بحثًا عن الأمان، لكنهم يصطدمون بحقيقة جديدة: "الفقر يزداد يومًا بعد يوم، وموارد الحياة الأساسية باتت بعيدة المنال".

بدرة، الذي كان يدير متجرًا في بلدة بيت لاهيا شمالي القطاع، خسر كل شيء. اضطر للنزوح في بلدات ومدن جنوبي القطاع أكثر من ٩ مرات، نفدت خلالها جميع مدخراته التي أنفقها على شراء الشوادر والاحتياجات الأساسية مثل الطعام والمياه.

يقول بدرة لـ"نوى": "أنفقت مدخراتي جميعها. أكثر من ١١ ألف دولار نفدت خلال الحرب فقط، أخيرًا وجدتُ نفسي مجبرًا على بيع المصاغ الذهبي الخاص بزوجتي".

وأضاف بحسرة: "لم أتخيل أن يأتي اليوم الذي أبيع فيه الذهب الذي بحوزتها. أذكر عندما كانت زوجتي ترتديه في الأعياد والمناسبات السعيدة. الآن لا يوجد لديها أي ذهب لترتديه".

وبينما يُحيي العالم اليوم الدولي للقضاء على الفقر، الذي يصادف 17 أكتوبر من كل عام، يعيش النازحون الفلسطينيون، بعد مرور عام على الحرب، في فقرٍ مدقع بعد أن استُنزفت مدخراتهم وضاعت مصادر رزقهم، حيث تتفاقم أوضاعهم المعيشية بشكل ملحوظ.

ولجأت العديد من النساء إلى بيع حليهن الذهبية لمساعدة أزواجهن في تلبية احتياجات الأسرة، كما اضطرت أسر إلى بيع ملابسها أو أثاثها المنزلي من أجل الحصول على المال، في ظل نقص السيولة البنكية وغياب الدعم الكافي.

أما فاطمة، التي كان زوجها يعمل في مجال البناء والمقاولات، فقد وجدت نفسها هي الأخرى في موقفٍ لا تحسد عليه.

كانت عائلة فاطمة تعيش في بلدة الزنة شرقي محافظة خان يونس، ولكن بعد أن أجبر جيش الاحتلال عائلتها على النزوح غربًا، استقرت في خيمة بمركز إيواء في دير البلح وسط قطاع غزة.

بعد أن نفدت مصادر الدخل، قررت فاطمة بيع مصاغها الذي ورثته عن والدتها، "أعطتني أمي هذه الحلي كهدية يوم زواجي، لكنها الآن مجرد قطع ذهب أبيعها لأشتري طعامًا لأطفالي".

مع مرور الوقت، اضطرت فاطمة وزوجها إلى إرسال ابنهما الأكبر، الذي لم يتجاوز عمره 12 عامًا، للعمل في السوق كمساعد في بسطة صغير في سوق دير البلح، وهو الأمر الذي يزداد شيوعًا بين العائلات النازحة، التي لم تعد قادرة على توفير احتياجاتها الأساسية.

وأضافت: "لقد اضطررنا لبيع كافة الأشياء التي نمتلكها ونعتبرها ثانوية، بعنا أثاث منزلنا الذي استخرجناه من بين الركام وبقي صالحًا للاستخدام، كما بعنا ملابسنا. لقد باع زوجي بدلته التي ارتداها في يوم عرسنا وحافظ عليها على مدار أكثر من ٢٥ عامًا".

ويقول الصحفي المتخصص بالشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر لموقع "نوى": "إن تداعيات الفقر على النازحين تتفاقم مع استمرار الحرب، فالنزوح القسري يحرم العائلات من مصادر دخلها، ويجبرها على الاعتماد على المساعدات الإنسانية التي غالبًا ما تكون غير كافية لتغطية الاحتياجات اليومية".

ويضيف: "إن بيع الممتلكات الشخصية كالمصاغ والملابس يشير إلى انهيارٍ اقتصادي حاد داخل هذه الأسر، إذ إنهم يفقدون أدوات الأمان المالي لديهم".

ويؤكد أبو قمر أن الأثر الاقتصادي للحرب سيستمر لسنوات طويلة بعد انتهائها، حتى لو تم إعادة بناء المنازل والبنية التحتية. "العائلات التي خسرت أعمالها وأموالها تحتاج إلى إعادة تأسيس نفسها، وهذا يتطلب وقتًا طويلًا، خاصة في ظل الحصار القائم على القطاع".

ويشير إلى أن إجبار الأطفال على العمل في الأسواق يمثل نتيجة مباشرة لتدهور الوضع الاقتصادي، قائلًا: "هؤلاء الأطفال لا يذهبون إلى المدارس، ويفتقدون التعليم الذي يمثل الأمل الوحيد للخروج من دائرة الفقر".

على الجانب الاجتماعي، تؤكد المتخصصة الميدانية في قضايا الأسرة عبير رضوان، أن النزوح القسري والفقر يحملان تداعيات اجتماعية ونفسية خطيرة.

وقالت: "العائلات التي كانت تعيش حياة مستقرة في شمالي القطاع، تجد نفسها فجأة بلا مأوى وبلا دخل. هذا التحول المفاجئ يسبب ضغطًا نفسيًا كبيرًا، ويؤدي إلى مشكلات اجتماعية عديدة مثل ارتفاع معدلات الجريمة والعنف الأسري".

ولفتت النظر إلى أن بيع الممتلكات الشخصية، التي تمثل قيمة عاطفية للعائلات، يزيد من الشعور باليأس، "عندما تبيع العائلة ملابس أطفالها أو مصاغها الذهبي، فإنها تشعر بأنها فقدت أكثر من مجرد ممتلكات مادية. هذا يؤثر على العلاقة داخل الأسرة، حيث يشعر الآباء بالعجز أمام أطفالهم".

رضوان أشارت أيضًا إلى أن الأطفال الذين يضطرون للعمل في الأسواق يفقدون براءتهم وطفولته، "هؤلاء الأطفال يتعرضون لاستغلال اقتصادي واجتماعي، حيث يعملون لساعات طويلة في ظروف قاسية، مما يؤثر على نموهم النفسي والاجتماعي".

ورأت من خلال عملها الميداني بين مراكز الإيواء، أن بيع الممتلكات وإجبار الأطفال على العمل "أصبحا وسيلتين للبقاء على قيد الحياة، لكن الثمن المدفوع على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي كبير جدًا".

وشددت رضوان على ضرورة حدوث تدخل دولي وإغاثي واسع لتخفيف معاناة النازحين ومنحهم فرصة للعودة إلى حياة كريمة.

كاريكاتـــــير