غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
انقلبت حياة أخصائي طب وجراحة الفم والأسنان أحمد سلامة العويطي رأسًا على عقب، بعد إعلان "إسرائيل" حربها على قطاع غزة في السابع من أكتوبر/ تشرين أول الماضي.
بدأ العويطي عمله في طب الأسنان، برفقة طاقمٍ طبي محترف داخل مدينة خانيونس جنوبي قطاع غزة، عام 2005م، في عيادتين خاصتين يمتلكهما، ويقدم فيهما خدمات عالية الجودة في مجالات طب الأسنان.
لكن الحياة التي كان يعيشها انقلبت إلى كابوس، "تعطّلت جميع مناحي الحياة، وتعرّض المنزل المجاور للقصف، الأمر الذي اضطرني للانتقال إلى منزل أحد أقاربي" يخبرنا.
يقف د.العويطي أمام ركام عيادته عاجزًا، يستذكر الفاجعة التي دُفنت تحت هذا الردم، ويسرد قصته التي تفاقمت بشكل دراماتيكي ومؤلم، بعد تنهيدة وغصة. يقول: "بعد فترةٍ من النزوح، وفي الرابع من ديسمبر، قررتُ العودة إلى عيادتي لأسكن فيها وعائلتي. في ذلك التاريخ تعرضت عيادتي للقصف، وفقدت ابني وصغيري أحمد (3 سنوات)، بينما نجت العائلة من تحت الأنقاض بأعجوبة".
بعدها نزح العويطي إلى البحر، حيث تفتقر المنطقة لأبسط مقومات الحياة، "ولم يكن هناك أي عيادة أسنان".
يضيف: "كانت معاناة الناس شديدة، ورغم الأوضاع الصعبة، حاولتُ جاهدًا إعادة فتح عيادتي هناك من خلال تجهيز كرسي أسنان وحيد في خيمة من نايلون، انتشلته من تحت ركام عيادتي المدمرة".

ويتابع: "الأدوات أصبحت باهظة الثمن، وقد تصل أسعارها إلى عشرة أضعاف ما كانت عليه سابقًا، وهناك شح كبير في المواد، عدا عن المعاناة في تقديم الخدمة داخل خيمة من نايلون في جو الحر الشديد، أو البرد القارس، مع عدم توفر الكهرباء الكافية للعمل"، مردفًا بقهر: "هذا يضطرني أحيانًا، ولأيامٍ عديدة إلى تعليق العمل؛ لعدم توفر المواد اللازمة".
ووفق الدكتور محمد كشكو، مدير نقابة أطباء الأسنان الفلسطينية- غزة، فإن تأثير الحرب على قطاع طب الأسنان كان مدمرًا، حيث تعرضت معظم العيادات والمراكز الخاصة للتدمير، مما أثر بشكل مباشر على قدرة الأطباء على تقديم خدماتهم.
وقال: "العيادات الخاصة، التي تمثل العمود الفقري لطب الأسنان في غزة، تعرضت لدمار شبه كامل في جميع أنحاء القطاع، سواء في الجنوب أو الشمال"، منوهًا إلى نقص حاد في المواد الضرورية لتقديم الخدمات للمرضى، مما ساهم في تفاقم المشكلة.

منذ اللحظة الأولى للحرب (والحديث لـ د.كشكو) بدأت النقابة بتنظيم جهودها للمساعدة من خلال التواصل مع مؤسسات محلية ودولية، وقد تمكنت من تقديم مساعدات نقدية وعينية للعديد من الأطباء المتضررين.
وأشار إلى أن النقابة خاطبت وزارة الصحة؛ لتوفير الدعم في تعقيم الأدوات، وتسهيل دخول ووصول مواد طب الفم والأسنان، مما يتيح تقديم الخدمة للمواطنين بشكل أفضل، مؤكدًا أهمية توفير الطاقة الكهربائية اللازمة لعملية تعقيم الأدوات.
ونوّه إلى ضرورة تسهيل التنسيق لوصول المواد من شمالي غزة إلى جنوبها، "نظرًا لوفرتها هناك وقلة الكثافة السكانية مقارنةً بالمناطق الجنوبية"، التي تعاني من كثافةٍ سكانيةٍ مُرتفعة بسبب النزوح، داعيًا إلى نقل بعض العيادات عبر وزارة الصحة وشركات مستلزمات الأسنان؛ لضمان توفير الخدمات الصحية اللازمة للمواطنين في ظل الظروف الصعبة.
وفيما يتعلق بالبنية التحتية، أكد د.كشكو أن الحرب أدت إلى تدمير الطرق والمرافق الخدماتية، مما أثر سلبًا على قدرة المرضى على الوصول إلى العيادات.
د.كشكو: "لتقييم حجم الأضرار، أطلقت النقابة رابطًا لتسجيل العيادات المدمرة، بهدف إجراء إحصاءات دقيقة وتقديم تعويضات مناسبة عند توقف الحرب".
"ولتقييم حجم الأضرار، أطلقت النقابة رابطًا لتسجيل العيادات المدمرة، بهدف إجراء إحصاءات دقيقة وتقديم تعويضات مناسبة عند توقف الحرب" يزيد، موجهًا نداءً عاجلًا لتقديم الدعم للأطباء الذين فقدوا مصادر دخلهم، "خاصة وأن معظمهم يعملون بشكل مستقل ولا يتلقون رواتب ثابتة".
وطالب بفتح مراكز لتعقيم الأدوات وتوفير الطاقة الكهربائية للعيادات، خاصة في ظل انقطاع التيار الكهربائي، متطرقًا إلى ظهور أمراض جديدة نتيجة الظروف البيئية الناتجة عن الحرب، بالإضافة إلى الإصابات الناتجة عن استخدام أسلحة محظورة.
وتوقع د.كشكو أن يتحول اهتمام السكان من علاج الأسنان إلى معالجة الإصابات، مما يجعل العلاج التجميلي مثل الحشوات والتقويم أمورًا ثانوية بالنسبة لهم.
رغم وجود بعض المبادرات من مؤسسات محلية ودولية لتقديم الخدمات خلال الحرب، إلا أن د.كشكو يشير إلى أنها تبقى محدودة، "وغالبًا تتطلب مبالغ مرتفعة مقابل الخدمات المقدمة"، داعيًا إلى إنشاء عيادات حكومية في مناطق النزوح لتقديم خدمات للمواطنين بأسعار رمزية.
























