غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
كان هناك فتىً طويل القامة، يبدو أكبر من عمره لكن ملامحه طفولية، يصفه الناس بـ"الذكي الحدق"، واسمه رجاء. كان رجاء يد والده اليمنى برغم صغر سنه، حبيبه وصديقه الذي يساعده في توفير لقمة عيشٍ كريمة، "ولو كانت مغمسةً بدمه".
في واحدٍ من أيام الحرب التي قاربت على إتمام عامها الأول، منذ اندلاعها في السابع من أكتوبر/تشرين أول للعام 2023م، جلس الفتى كعادته أمام بسطة والده الذي يعمل "إسكافيًا" بالقرب من منزلهم الواقع في مدينة خانيونس، يستقبل الزبائن الذين اهترأت أحذيتهم، ويحاول قدر الإمكان إصلاح أعطابها كون "إسرائيل" تمنع دخول بدائل لها إلى القطاع، ضمن حصارها المشدد على الناس.
يقول والده: "أصيب ابني بقصف إسرائيلي استهدف منزلًا مجاورًا، راح ضحيته 18 شهيدًا"، واصفًا تلك اللحظات بـ"الزلزال".
لم يدرك أين وقع الصارخ في البداية، عم غبار القصف أرجاء المنطقة، وتطايرت أشلاء الناس، وانفجر دم ابنه على ملابسه بينما كان يصرخ ويبحث عنه.
"اختفت البسطة" -يضيف- ويكمل "لم أعد أرى بعيني، أسمع صراخًا فقط. سمعتُ صوت رجاء يصرخ، كل الأهالي كانوا يصرخون، في منزلي أيضًا أبنائي أصيبوا! دُمر منزلنا المبني من الإسبست، وأصيب أطفالي بشظايا، لكن الحالة الأصعب كانت حالة رجاء".
نُقل الفتى إلى المستشفى، وبعد أيامٍ من علاجه أكد الأطباء أنه لم يعد يرى بعينه اليسرى نتيجة إصابته بالقصف. لم يعد باستطاعته مساعدة أبيه، لم يعد طبيعيًا، لم يعد يتمنى سوى السفر من أجل العلاج خارج القطاع، الذي تعاني مستشفياته إنهاكًا شديدًا بسبب استمرار حرب الإبادة.
يعاني رجاء آلامًا شديدة، والأدوية والمسكنات اللازمة لحالته ليست متوفرة في غزة. يجلس أمام بسطةٍ أخرى استصلحها والده، لكن ليس كمساعد، بل كمتفرج بعين واحدة يواسي أحزانه ويحلم باليوم الذي سيهاتفه فيه أحد ليخبره بأن لديه فرصة للعلاج بالخارج.
قبل الحرب كانت أبسط أحلامه أن ينهي دراسته بالثانوية، ثم يلتحق بالجامعة. أن يصير مهندسًا ليبني منزلًا من الإسمنت لأهله، أن يجتهد ويفتح ورشة تصليح لأبيه بدلًا من البسطة، وأن يجلب لأمه أدوات كهربائية تساعدها على تخفيف أعباء العمل المنزلية برغم حبها لها، لكنها الحرب، "أبدلت الأحلام إلى أدنى متطلبات الإنسان في هذا العالم، حلم بالعلاج"، يسألنا رجاء: "هل يتحقق؟".
























