شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 16 ابريل 2026م02:05 بتوقيت القدس

على سرير الميلاد وصلها خبر استشهاد عائلتها كلها!

أسمَتها "عبير".. اسمُ أمها شهيدة اليوم نفسه!

03 اكتوبر 2024 - 13:45

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

قبل أن تعلن "إسرائيل" حربها على قطاع غزة، في السابع من أكتوبر/ تشرين أول 2023م، كان المواطن وائل موسى حسن عايش يعيش حياةً هادئة، برفقة عائلته المكونة من زوجته عبير، وابنته المتزوجة ماريا (18 عامًا)، وأبنائه الثلاثة سيف الدين (14 عامًا)، ومحمد (8 أعوام)، وكنان (عامان ونصف).. تمامًا، قبل أن يُنهي "صاروخ" الحكاية، فيعود وحيدًا وكأن عمرًا من المحبة والمودة والدفء لم يكن!

يقف الرجل الخمسيني اليوم على أعتاب هذه المأساة، لا يسعه إلا نبش الذكريات "كي لا يموت قهرًا" على حسب تعبيره، بدءًا من أول أيام الحرب، حيث بدأ الخوف يهجم على حياته كموج بحر هائج، "وكأنه كان يريد أن يغرقنا جميعًا. صار البيت مرعبًا، والمنطقة موحشة بعد أن غادرها أهلها نزوحًا نحو الجنوب جرّاء أوامر الإخلاء الإسرائيلية" يقول، مضيفًا: "قررنا النزوح إلى المحافظة الوسطى، المغازي تحديدًا، وتركنا ماريا في غزة، حيث لم يقبل زوجها بفكرة النزوح أصلًا، وقرر البقاء في مدينة غزة".

ثمانون يومًا بالتمام والكمال، بعدها حدث ما كان الأب يخشاه. "توغلت قوات الاحتلال برًا في مخيم البريج، وباتت قريبة جدًا من مكان نزوحنا. هذا دفعني للفرار بعائلتي إلى مدينة رفح، وهناك لم أجد بيتًا للإيجار، فصنعت خيمة بسيطة" يخبرنا.

يتنهد بحرقة، ويكمل: "اتصلتُ بعائلتي كي يتجهزوا للرحيل، واتفقنا أن آتي فآخذهم من عند باب البناية التي يقطنون فيها، وهنا حدث ما لم يكن بالحسبان. اتصلتُ بزوجتي في الطريق لأخبرها بأنني صرتُ قريبًا، فإذا بها تصرخ: يا أبو سيف لا تيجي. الدبابة على باب البناية قدامنا مباشرة".

طمأنته على الأولاد، وقالت: "لا تخاف على أولادك. هدول رجال، وقلبهم قوي. المهم إنت لا توصل المنطقة". في تلك اللحظة -يكمل- "شعرتُ بغصة وقهر في قلبي لم أشعر بمثلهما طيلة حياتي. دب الخوف في كل أنحاء جسدي، وصار عقلي هناك. طلبتُ منها أن تأخذ إجراءات السلامة فقط وأقفلت الهاتف".

بعدها توالت الاتصالات التي كان ردها "لا يمكن الوصول إلى الرقم المطلوب حاليًا، يرجى المحاولة فيما بعد". يقول الرجل: "بعد ثلاثة أيام من المحاولات، لم أصل، لكن وصلتني أنا بعد صلاة العشاء مباشرةً رسالة. كان التاريخ يومها 4/1/2024م، ومفادها: " الخاطر واحد، أعظم الله أجرك، استشهدت زوجتك ومعها أولادك، ولا أحد يستطيع الوصول إليهم لأنهم تحت الأنقاض".

عرف وائل أن ابنه سيف، من قوة الضربة التي استهدفت البيت، طار أمتارًا في الهواء قبل أن يستشهد، فلما حاول أحدهم إنقاذه، قُصف بشكلٍ مباشر من قبل طائرة الاستطلاع! يعقب: "كُسر قلبي. شعرتُ كأنني فقدت الحياة والوعي بأي شيء، بالتاريخ والساعة واليوم والثانية. لا أنسَى ذلك اليوم أبدًا. ذهبتُ كالمجنون إلى مستشفى شهداء الأقصى تحت القصف والمواجهات هناك، أفتش على جثمان سيف حبيبي وبكري وسندي، لم أجده حتى في ثلاجات الموتى ولا في أي قسم من الأقسام. بعدها علمت أنه دُفن في مقبرة جماعية مع عدة شهداء."

بعد 35 يومًا على الحادثة، ذهب وائل إلى المغازي حيث نزوح عائلته الأول، ومكان استشهادهم. شاهد ركام البناية التى كانت عبارة عن خمسة طوابق، وبدأ ينبّش بقهرٍ بينما دموعه تسيل من عينيه كالمطر. أخرجهم كلهم، واحدًا واحدًا. وجد جثثهم متحللة، كلهم حول بعضهم، برفقة والدة زوجته، وأبناء شقيقها، وصاحب البيت وعائلته الذين مُسحوا من السجل المدني.

يتابع: "كان شعورًا مخيفًا مهيبًا مليئًا بالحزن والألم. مرّت أمامي كل ذكرياتنا في كل خطوة كنت أخطوها من أجلهم. كانوا كل حياتي، أعاملهم كأصدقائي"، مكملًا بحرقة: "قبل استشهادهم بيوم، طلبوا مني شراء بعض الحلويات لهم فأحضرتها، إلا سيف، ابن قلبي، فقد طلب مني عطرًا. أذكر يومها كيف هجموا علي وحضنوني، لكنني لم أكن أتخيل أن يكون ذلك الحضن هو حضن الوداع الأخير".

يستعين وائل بصور زوجته وأولاده في هاتفه، يطيل النظر إلى ملامحهم البهية، ويحادثهم. يخبرهم بمشاعره كلها، وما يريد أن يفعله. يحدّثهم عن شوقه لحفيدته "عبير"، ابنة ماريا، التي وُلدت في غزة، بذات يوم استشهادهم، وسُميت "عبير" على اسم جدّتها الشهيدة زوجته وأم ماريا.

يقول: "تختلط عندي مشاعر الفرحة بالحزن كلما رأيتها في شاشة الهاتف عبر اتصال فيديو. أرى فيها أولادي، وتشتعل في قلبي النار لأنني لا أستطيع أن أضمها إلى قلبي، فأشعر بهم في رائحتها البريئة".

تخبرنا ماريا، الابنة المتبقية لوائل، عن تفاصيل تلك التجربة المأساوية، حين وضعت مولودتها الأولى في ذات يوم استشهاد عائلتها! "شعرتُ بالانكسار. رأيتُ وجه طفلتي، وحمدت الله كثيرًا على نعمة السلامة، لكنني بكيت حتى جفت دموعي ليلتها. بكيت أمي وأخوتي، وحال أبي الوحيد في الجنوب. افتقدتُ والدتي كثيرًا في ذلك اليوم، كان يفترض أن تكون بقربي الآن، على سرير المستشفى، تحمل طفلتي وتساعدني في الاهتمام بها، لكن قدر الله غالب".

وتضيف: "لولا الصبر الذي أنزله الله على قلبي لفقدت عقلي. قصتي ليست مجرد كلمات، فقدتُ كل الأشخاص الذين عشت معهم طفولتي وذكرياتي."

تصف اللحظة التي تلقت فيها خبر استشهاد عائلتها، وهي على سرير الولادة، بقولها: "انشق قلبي. لا أعرف أفرح لولادة صغيرتي، أم أبكي هذا الفقد العظيم. كانت صدمة قاسية لا تُنسى، أسميتُها "عبير" تخليدًا لذكرى أمي، هذا الاسم الذي سيبقى يتردد على مسمعي ما حييت، لأذكرها وأبكي فقط".

كاريكاتـــــير