شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 16 ابريل 2026م12:18 بتوقيت القدس

سجى كريرة..

عروسٌ في "مأتم".. والزفّة للأب الشهيد!

24 سبتمبر 2024 - 14:42

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

ليس أسهلُ على "إسرائيل" من أن تحوّل زفة عروسٍ في غزة لمأتم. أن تشيّع الفرح في كفن أبيضٍ، تمامًا كما تشيّع "والدها" الذي ذهب ليشتري لها الفطور.. "قرص فلافل" اشتهته من محلٍ في الشارع المجاور، فعاد محمولًا على الأكتاف "شهيدًا" مضرجًا بدمه.

في غزة، تُرش الورود فوق جثامين الشهداء، لا على رؤوس العرسان. يكفّنون بالأبيض، فيُلطَّخ ثوب العروس كل مرةٍ بنزف الحزن والفقد. في غزة، يجتمع المُعزّون عندما تنقلب مراسم الفرح، ويبكون قلبًا رحَلْ، بدلًا من أن يطلقوا زغاريد الفرح. هذا تمامًا مع حدث مع العروس سجى كريرة.

في الثاني عشر من أيلول/سبتمبر الجاري، قرّرت العائلة أن تَزُف سجى إلى عريسها في منزلهم الواقع بـ"ساحة الشوا" في حي الدرج وسط مدينة غزة. استيقظ أفراد عائلة العروس قبيل صلاة الفجر، صلوا جماعةً على وقع أصوات القصف، ثم أخذ الأب واسمه محمد حسين كريرة بيد ابنته وجلس. طيّب خاطرها، وهي التي ستتزوّج على وقع القصف الشرس، ووسط إبادةٍ طال أمدها.

تبادلا الحديث، والضحكات، وكان آخر ما أوصاها به بعد جلسةٍ عائلية، أن تعتني بزوجها وأهله، وأن تهتم لبيتها وحياتها الجديدة مهما بلغت الضغوطات، العيش تحت النار مثلًا.

في ساعات الصباح، أخذ الأب يجهز أواني المياه، وينقلها من مكان تعبئتها إلى المنزل تحضيرًا لموسم الفرح، رُتّب المكان دون زينة، كانت أصوات القصف صاخبة، ومع ذلك بحثت العائلة عن وقتٍ للفرح.. "ما رأيكم أن نتناول الفلافل في طعام الفطور؟" وافق الجميع. منذ وقتٍ لم يتناول أفراد العائلة الفلافل، فمضى بنية "رسم السعادة على الوجوه"، ولم يعُد.

"أعيش اليوم حسرتين، حسرة فقد بابا، وحسرة ارتباط تاريخ الفرح بهذا الفقد".

تحوّل الفرح إلى مأتم.. في لحظةٍ واحدةٍ ودون مقدمات، "بلَغَني صوتٌ لن ينخفض دوّيه في مسمعي ما حييت: أبو العبد استشهد" تقول الفتاة بحرقة. "من؟ كيف؟ متى؟ أبو العروس صار هو الشهيد؟!".

تضيف: "أعيش اليوم حسرتين، حسرة فقد بابا، وحسرة ارتباط تاريخ الفرح بهذا الفقد". وما أكثر حسرات الفلسطينيين تحت هذا الموت! حتى لحظات الفرح التي أرادوا انتزاعها من بين فكَّي الوحش "إسرائيل" باءت بالفشل.

كان صوت القصف هذا غريبًا، تصفه الأسرة التي اعتادته بأنه لم يكن كما كل مرة. "رافقه انقباضٌ حاد في القلب.. انقباضٌ بدت علاماته باكرًا، حتى من قبل صلاة الفجر" تضيف.

أدرك أفراد العائلة أن القصف في الحارة بعد وقت، لكنهم إلى الآن يرفضون تصديق الحكاية. "أبو العبد" حبيب أهله، وصاحب كل جيرانه استشهد!

ولم يكن الشهيد محمد أبًا لسجى وحدها، بل كان أبًا لعريسها محمد العيلة، الذي استشهد والده أيضًا في قصف إسرائيلي عام 2007م.

يخبرنا: "لم أتمالك نفسي حين سمعت سجى تقول إن عمي محمد استشهد. لم أصدق، وأرفض أن أصدق حتى اليوم".

في كل مرةٍ يقول فيها الغزّي "إن ما حدث له أسوأ ما في الوجود"، يكتشف لاحقًا أن لـ"إسرائيل" قدرة على ابتداع الأكثر سوءًا.

لا يعرف الغزّي معنىً للمواساة حاليًا، ولا يجد فيها سبيلًا لتخفيف الآلام. حتى الانهيار بات رفاهيةً ومَهَمّةً صعبةً لا وقتَ لها. كل ما يستطيع فعله الآن هو استقبال الصدمات، وابتلاعها، دون تعبيرٍ عن الألم.

"هذه آلام لا تعبير يوفيها حقها! يصبح الصمت فجأةً أبلغ من أي صراخٍ دوّى في آذان العالم كله، من دون جدوى" يختم العريس.

كاريكاتـــــير