غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
بين أزقة مستشفى ناصر في مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة، يتجول الطفل يزن ماضي وحيدًا. تارةً يستند إلى الحائط باكيًا، وتارة أخرى يجلس على كرسي الانتظار فيروح في نومٍ يخلصه من عذاباته.
أصيب يزن في ساعده إصابةً بليغة كادت أن تتسبب ببترها، عندما استهدف القصف الإسرائيلي منزلًا كانت عائلته تقيم فيه بعد نزوحها من مدينة غزة.
وسلب هذا القصف من يزن أعزّ ما يملك: والده حسن ماضي وأشقاءه الثلاثة، فيما ترقد والدته في غرفة العناية المركزة بين الحياة والموت.

يقول يزن (١٤ عامًا) وهو أصغر أشقائه لـ"نوى": "بعدما عالج الأطباء يدي، ووضعوا لي الجبيرة، طلبوا مني ترك سريري والجلوس في أحد أزقة المستشفى، كي أفسح المجال لمُصابٍ آخر يتلقى العلاج".
وأوضح أن أعمامهه بقوا في مدينة غزة، ولم ينزحوا إلى جنوبي القطاع كما فعل والده ومئات الآلاف من سكان مدن غزة والشمال، الذين أجبروا على ترك بيوتهم تحت وقع القصف والأحزمة النارية، منذ السابع من أكتوبر/ تشرين أول الماضي، وهو ما يعني أنه هنا وحيد، بلا مرافق، يسعى لعلاجه ويتابع وضع أمه الصحي.
يضيف الفتى: "والدتي التي أصيبت بجراحٍ خطرة، وتخضع للعلاج حاليًا وهي مغيَّبة عن الوعي، هي آخر أمل تبقى لي"، مشيرًا إلى أن العديد من الأشخاص، عرضوا عليه استضافته لديهم ريثما تتلقى والدته العلاج، "ولكني أرفض مغادرة المستشفى بدونها" يستدرك.
ويحكي يزن عن والده الشهيد، بائع الخضراوات في مدينة غزة، الذي كان يحاول الاستمرار في عمله بعد نزوحه جنوبًا بمساعدة أشقائه، فيتابع: "كان والدي فقط يريد توفير لقمة عيشنا، ولا أعلم لماذا قتله الاحتلال؟ لماذا حرمني من أشقائي؟ كنتُ نائمًا وفجأة رأيت الناس تنتشلني من بين الحجارة، بينما يدي تقطر دمًا! صحوتُ ووجدتُ نفسي وحيدًا هنا بلا عائلة".
طبيب بمستشفى ناصر: "اضطر الطفل عبد الرحمن للسفر من أجل تلقي العلاج في تركيا وحيدًا بعدما لم نجد له أي مرافق".
وتتكرر مأساة الطفل يزن مع آلاف الأطفال الذين باتوا أيتامًا، ويضطر بعضهم لتلقي العلاج وحدهم دون مرافق، بينما تنتظرهم حياة غليظةٌ وطويلة سيقضونها بعيدين عن الأحضان الدافئة.
هذا ما جرى مع الطفل عبد الرحمن عبد ربه، الذي أصيب بجراحٍ خطيرة في الرأس، واستشهد معظم أفراد عائلته في قصف إسرائيلي استهدف مدينة رفح، التي نزحوا إليها من شمالي القطاع.
يقول الطبيب إياد حسن الذي أشرف على حالة الطفل في مستشفى ناصر: "اضطر عبد الرحمن للسفر لتلقي العلاج في تركيا وحيدًا بعدما لم نجد له أي مرافق".
وأوضح أن أحد أفراد عائلته من مدينة غزة، كان ينسق للسفر من أجل اللحاق به ومرافقته في تركيا، لكن معبر رفح كان قد اقتُحم، وأغلق من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي.
ويقول مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي إسماعيل الثوابتة لـ"نوى": إن الحرب تسبّبت في تحويل ٢٠ ألف طفل من قطاع غزة إلى أيتام، بعد استشهاد أحد أو كلا الوالدين".
وأشار الثوابتة إلى أنه أصبح للأطفال الأيتام والجرحى داخل المستشفيات، تعريف خاص بهم وهو (WCNSF)، وهي الحروف الأولى من جملة "طفل جريح من دون والدين على قيد الحياة".
ويُعدُّ إطلاق هذا التعريف على فئة جديدة من أيتام الحرب -وفق تعبيره- "خزي وعار" يطال كل دول العالم، التي لم تحرك ساكنة أمام هذه المجازر التي تحدث في قطاع غزة، مردفًا بقوله: "أزمات مركبة طالت هؤلاء الأطفال الأيتام بسبب اضطرارهم إلى النزوح، وافتقادهم لأي مصدر دخل، وكذلك عدم قدرتهم على تدبير شؤونهم، أو تأمين احتياجاتهم الخاصة".
ويشكل الأطفال نحو نصف سكان قطاع غزة، البالغ عددهم 2.3 مليون نسمة، ويعيشون تحت قصف مستمر منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023م.
الثوابتة: "هذه الحرب شهدت -حتى اللحظة- استشهاد نحو ١٦.٥ ألف طفل، بينهم ١١٥ طفلًا رضيعًا ولدوا واستشهدوا في الحرب".
ولفت الثوابتة إلى أن هذه الحرب شهدت -حتى اللحظة- استشهاد نحو ١٦.٥ ألف طفل، بينهم ١١٥ طفلًا رضيعًا ولدوا واستشهدوا في الحرب، كما أن هناك ٣٥٠٠ طفل معرضون للموت بسبب سوء التغذية.
وينتظر الأطفال الأيتام في قطاع غزة أيام صعبة، بمجرد انتهاء الحرب -يقول الثوابتة- فقبل اندلاعها كانت هناك ٤ دور للأيتام، تبلغ طاقتها الاستيعابية ٢٨٠٠ طفل، ولكن معظمها تعرض للقصف وطاله الدمار، بينما تحولت الأجزاء الناجية فيها إلى مراكز لإيواء النازحين.
ويختتم الثوابتة حديثه بالقول: "الأطفال الأيتام إحدى أبرز الفئات المهمشة حاليًا، وهم بحاجة ماسة إلى دعم مادي ونفسي وإغاثي وطبي متواصل"، مشيرًا إلى أن ، لكن على أرض الواقع، لا تتوفر لهم أي من هذه المساعدات المهمة لهم".
























