غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
تكفكفُ النازحة وداد دموعها بينما كانت تحمل جالونًا ممتلئًا بالماء المالح، تجهُّزًا لبدء فقرة الغسيل. تضربه بالأرض بغضب، وتنظر إلى كفّيها المتشققين بفعل مساحيق التنظيف المصنعة محليًا، وتغرق في دوامةٍ من البكاء المر.
في خيمتها التي بالكاد تمكنت من تجميع قماشها، ونصبها في أحد مراكز إيواء النازحين بمدينة دير البلح وسط قطاع غزة، لا تغيب عن ذاكرة السيدة الأربعينية لحظة النزوح الأولى من مخيم جباليا شمالًا إلى وسط القطاع. "في ذلك اليوم، خرجنا دون وعي تحت ضربات الصواريخ، كل ما أخذته معي حقيبة أوراقنا الرسمية" تقول باكية.
وتضيف: "لو كنا نعلم أن هذا النزوح سيطول، ربما لأعددتُ حقيبةً أخرى منذ أول لحظات الحرب. فيها ملابس لأطفالي بدلًا عن هذه التي اهترأت، وأحذية بدلًا من تلك التي تمزّقت ولا نجد لها بديلًا حتى الآن. لأخذتُ طعامًا، وأدوات تنظيف، وأدوية من صيدليتي الخاصة، وأدوات المطبخ الجديدة التي اشتريتها قبل السابع من أكتوبر بأيام".

وداد كمئات الآلاف من النازحين من مدينة غزة وشمالها، كانت تظنّ أن العملية العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة، ستكون كما -كل مرة- عدة أيام، ثم تتدخل الوساطات وتنتهي.
"لكن الذي نعيشه اليوم في هذه الخيام، يجعلنا نتمنى عودة الزمان لمرة واحدة، كي نتمكن من جمع مقتنياتنا المهمة، وتلك التي لنا معها ذكريات لا تُنسى" تستدرك.
وما زالت قوات الاحتلال الإسرائيلية، تتبع -منذ بدء حرب الإبادة في السابع من أكتوبر/ تشرين أول الماضي- سياسة التهجير القسرية للسكان من مدن غزة والشمال، وأيضًا في مدن الجنوب، من خلال مناشير تلقيها الطائرات فوق رؤوسهم تطالبهم بالإخلاء الفوري، وتحذرهم من موتٍ محقق في حال أصروا على البقاء.
عندما نزحت العشرينية ملاك أبو ركبة، للمرة الأولى، من بيتها في مخيم الشاطئ غربي مدينة غزة، أخذت حقيبةً حملت فيها بعض الملابس لطفلها الصغير، بالإضافة إلى بعض قطع المجوهرات التي تملكها. تقول: "شعرتُ أن هذا أهم شيء قد أحتاجه. حتى أنني لم آخذ معي ملابس لي أو لزوجي".
"لو عاد بك الزمن، ماذا كنتِ ستأخذين معك أيضًا؟" سألناها، فأجابت بعد دقائق من الصمت والتفكير: "حسنًا.. لو كنتُ أعرف أن هذا النزوح سيطول، كنتُ سآخذ معي زجاجات الشامبو الكثيرة عندي، وعطوري، وأحذيتي الكثيرة".
تنظر ناحية قدميها، وتشير بإصبعها إلى حذائها، "للأسف، بسبب تعدد مرات النزوح، والسير لمسافات طويلة بحثًا عن الأمان، وسوء الشوارع بسبب حجارة البيوت المقصوفة، اهترأ حذائي".
وتضيف: "في كل مرة ننزح فيها، نضطر لشراء مقتنيات جديدة بأسعار فلكية، لأننا لا نتمكن من أخذ كل الأغراض لضيق الوقت"، شارحةً ذلك بقولها: "على سبيل المثال، في آخر نزوح كنت أقيم بغرفة صغيرة تضم قرابة الـ20 فردًا بمنزل أحد الأقرباء، وقد اضطُررنا لترك المكان سريعًا دون أن نأخذ معنا شيء بسبب القصف العنيف، لا سيما وقد هاتف ضابط الاحتلال أحدنا، وأبلغه بضرورة إخلاء المربع السكني لقصفه مباشرة".
وتختلف تجارب الغزيين حول نوعية المقتنيات التي يصطحبونها عند ترك منازلهم قسرًا، رغم تشابه ظروف النزوح القاسية، فالشاب عبد الله لبد (26 عامًا) نزحَ من حي النصر غربًا إلى مخيم المواصي بخانيونس، جنوبي قطاع غزة، وقد حرص على اصطحاب ألبوم صور حفل خطوبته، وضمة ورد أهدته إياه خطيبته في أول أسبوع مر على عقد قرانهم في الشهر السابق لأحداث السابع من أكتوبر.
يقول: "أردتُ أن أصطحب معي ذكرى جميلة تظل عالقة في ذهني، رغم أهوال الحرب والتدمير والنزوح التي أعيشها برفقة أسرتي".
أما الطفلة غنى محمود (14 عامًا)، فقد ضحكت كثيرًا عندما تحدثت عن شيءٍ واحد حرصت على أخذه عند نزوحها من منزلها قسرًا من بلدة بيت لاهيا شمالي قطاع غزة. قالت: "بصراحة، لم يخطر ببالي إلا قطتي سوسو".
خشيت غنى أن تبقى لوحدها في المنزل، فأخذتها معها ومرت بها من حاجز "نيتساريم" الذي فصل الاحتلال به بين الشمال والجنوب، وتحملت معها مشاق النزوح -وفق تعبيرها.
تخبرنا: "أعتني بها كثيرًا، وأحاول تأمين طعامها يوميًا رغم أن المهمة شاقة، لكنها تذكرني بمنزلنا، وبأيام الراحة والهدوء، ولهذا أحبها".
وتتمنى غنى أن تعود لمنزلها مع قطتها وأسرتها دون فقدٍ يصيب قلبها، قائلةً: "لقد دمرتنا هذه الحرب، ولذلك نحاول الحفاظ على أي شيء جميل، ليساعدنا على تحمل مرارة هذه الأيام".
"حسنًا، لو عاد بك الزمن، هل ستختارينها من جديد من ضمن أشيائك المهمة؟"، سألتها أمها، فأجابت: "بالطبع. هذه سوسو، لكنني كنتُ سآخذ أشياء أخرى، مثل كُتبي المدرسية، وكراريس الرسم، وألواني، وذلك الفستان الذي جلبته لي أمي هدية في عيد ميلادي الأخير".
























