غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"لم أتخيل يومًا أن أبحث عن أفراد عائلتي بين عشرات الشهداء والجرحى"، يقول أحمد نسمان وهو يكتم في قلبه غصة.
صاروخٌ واحدٌ فعل به ذلك. صاروخٌ واحد جعله كما -الذي فقد عقله- يجري بين أروقة المستشفى، يرفع الأكفان عن الوجوه، ويدقق في ملامح الوداع المرة، وبين ركام بيته، لعله يجد جسدًا علق بين الركام، أو يسمع صوتًا نجا صاحبه بمعجزة!
كانت عائلة نسمان، التي تقطن حي الشيخ رضوان غربي مدينة غزة، تعيش قبل السابع من أكتوبر/ تشرين أول الماضي، أحلى حالاتها، بعد نجاة والدتهم وتماثلها للشفاء إثر عملية قلبٍ معقدة أُجريت لها في مستشفى المقاصد مطلع عام 2023م، ثم جاءت الحرب، وحان وقت النزوح إلى المناطق التي لطالما زعم الاحتلال أنها "آمنة"، حتى صارت مناطق ذلٍ و"موت أحمر".
25 شخصًا استأجروا منزلًا مكونًا من ثلاثة طوابق، وظنّوا أنهم هناك سيغدون بأمان حتى تضع الحرب أوزارها، "لكنهم لم يعلموا أنهم هربوا من مخاوفهم إلى موتٍ محقق".
في حي البرازيل برفح، بدأت الحكاية. 25 شخصًا استأجروا منزلًا مكونًا من ثلاثة طوابق، وظنّوا أنهم هناك سيغدون بأمان، حتى تضع الحرب أوزارها، "لكنهم لم يعلموا أنهم هربوا من مخاوفهم إلى موتٍ محقق" يعقب.
يعمل أحمد أخصائي علاج طبيعي، ويتحدث في كل مرةٍ تتاح له فيها مقابلة الصحافة، عن عائلته التي كانت تكبر. طفلته الثالثة التي لم ترَ من جمال الحياة شيئًا، فولدت قبل الحرب بأقل من شهر، وأولاده الآخرون قبلها. ذلك الحب والدفء في حضن العائلة، والبيت، وابتسامة الزوجة، ثم ينقلب كل شيءٍ فجأة، بعد أن ينتقل إلى تاريخ النزوح، والحديث عن الصاروخ الذي ترك كل هذا الجمال أشلاءً، وتركه وحده يعاني أوجاع الذكرى.
بعد أسبوعٍ من طلب دولة الاحتلال نزوح سكان مدينة غزة، ومدن شمالي القطاع إلى جنوب وادي غزة، بدأ القصف يشتد. خشيت العائلة على كبار السن فيها، وعلى شقيقتهم الوحيدة، التي بالكاد فرحت بخبر حملها، وبشّرت به العائلة في الخامس من أكتوبر. طلبوا منهم النزوح، فغادر 20، وبقيت مجموعة من ضمنها عائلة أحمد.
"مرت الأيام بعدها ثقيلة. في كل يوم كان يزداد خطر الأحزمة النارية، والقصف المتواصل، ولما صار الخطر أقرب، غادرت في 15 نوفمبر إلى رفح، حيث بدت الحياة هناك أسهل بكثير" يخبر "نوى".
اعتادت العائلة في المدينة الجنوبية الجو الجديد، طوابير الخبز، وتكسير الحطب، وإشعال النار، وفي كل ليلةٍ يجتمع أفرادها لتبادل أطراف الحديث، وهكذا مضت الأيام.
"كنتُ بعيدًا عنهم مسافة ربع ساعة. ركضتُ مسرعًا ووصلتُ البيت فإذا به ركامٌ على من فيه".
بصوتٍ مختنق أضاف: "في الرابع عشر من ديسمبر، خرجتُ لوحدي على غير العادة إلى السوق، ومع أذان الظهر سمعت دوي انفجار ضخم". يصمتُ قليلًا وفي عينيه دموعٌ أبت إلا أن تهطل، ثم يتابع: "كنتُ بعيدًا عنهم مسافة ربع ساعة. ركضتُ مسرعًا ووصلتُ البيت فإذا به ركامٌ على من فيه".
يحاول نسمان، اختصار الحديث هنا، وقد وضع يده على قلبه: "أهلي كلهم. أمي وأبي، وزوجتي، وأولادي، وأخوتي، وزوجاتهم، وأولادهم، وأختي وزوجها، وعائلته، وعماتي، وزوج عمتي. النيران تخرج لهيبها من تحت الركام، ولا صوت لأحد".
يزيد: "ناديت بأعلى صوتي، وحاولت الاتصال على أحدهم لعله يجيب، لكن لا رد". بعد ساعة ورده اتصال من شقيقه التوأم يخبره بأنه مصاب في مستشفى أبو يوسف النجار، فتوجه إليه كمن وجد الغيث، ليجده بوجهٍ محطّم فاقدًا للوعي.
الغصة الكبرى كانت عند ثلاجة الموتى، يردف باكيًا: "صُدمت بابن أخي يوسف ذو الـ4 أعوام شهيدًا، إلى جانب والد زوج أختي، ومع العصر وصلني خبر يفيد بأن زوج أختي وشقيقه على قيد الحياة، ثم مع المغرب وصل فريق الدفاع المدني وأخرجوا أخي الأكبر بالكاد يتنفس. في وجهه ويديه حروق، وفي جسده كسور".
عندما اشتدّت حلكة الليل، لم يستطع الجهاز إكمال العمل، فتوقف البحث، "ولما عُدت وجدتُ أهل الحي وقد أخرجوا أبي وأمي شهداء من تحت الأنقاض" يزيد.
في فجر اليوم التالي، عاد أحمد إلى الحطام ليكمل العمل برفقة رجال الدفاع المدني. "أربعة أيامٍ من الوجع والقهر والبعد والحرقة، استغرقها انتشال الشهداء. أربعة أيامٍ من البكاء واليأس والأمل. أربعة أيامٍ حتى رأيتهم جميعًا في أكفانهم آمنين" يعقب.
في ذلك اليوم، انقطعت الاتصالات تمامًا عن المنطقة لمدة خمسة أيامٍ متتالية، كان خلالها يداوم في المشفى للاطمئنان على حال شقيقيه وزوج أخته، فإذا به يلتقي صدفةً بصديقٍ له، فيخبره بين طيّات الحديث بأن هناك طفلٌ حتى اللحظة في العناية المركزة، جلبوه من قصفٍ في حي البرازيل، وهو مجهول الهوية.
يخبرنا: "كان الطفل الوحيد الناجي من أبناء العائلة. حسن، وكان مصابًا في رأسه"، متابعًا: "ألم الفقد يهدّ الجبال، ابني وابنة أختي، وأختي وابنتي، وزوجتي، وعمتي.. كلهم. لم ينجُ إلا ستة أشخاص من بينهم أنا".
كلما نظر في عينَي حسن، شعر بحنينٍ لا متناهٍ لأولاده. لتلك الطفلة التي لم ترَ من حلو الأيام شيئًا. وُلدت واستشهدت في حرب!
يلفت إلى أن كلما نظر في عينَي حسن، شعر بحنينٍ لا متناهٍ لأولاده. لتلك الطفلة التي لم ترَ من حلو الأيام شيئًا، وولدت واستشهدت في حرب!
يكمل: "خرجنا، واجتمعنا كلنا في غرفة بمنزل قديم، وما لبثنا أن استقر حالنا، وبدأنا نتعافى، حتى جاءت الأوامر بإخلاء رفح".
نزح الناجون إلى خيمة بخانيونس، وعاشوا -رغم جراحهم- مآسي معيشة الخيام، من توفير الماء، والطعام وباقي أسس الحياة. يختم الرجل بقهر: "كنا نبحث عن الأمان، لكن دوام الاحتلال في هذه الأرض لن يتيح الوصول لهذا الشعور أبدًا".
























