شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 16 ابريل 2026م13:55 بتوقيت القدس

مريضة تصف واقعه بغزة..

"فشل كلوي" تحت النار.. "الموت أرحم"!

18 يوليو 2024 - 18:10

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

"حوصرتُ ثلاث مرات. نجوتُ ثلاث مرّات. مِتُّ وحييتُ مرارًا، ولا أدري ماذا ينتظرني في جحيم هذه الحرب بعد" قالتها وفاء عليان، المريضة بالفشل الكلوي لـ"نوى"، وسكتت.

لم تسعفها الكلمات لتحكي كل ما يجول في خاطرها من مشاعر. تحت وطأة هذا المرض عاشت سنواتٍ طوال في بيتها بمنطقة الفاخورة شمال قطاع غزة، ترجو من الله الشفاء، ولم تكن تعلم أنه سيأتي عليها يومٌ تقتنع فيه بأن "موتها" قد يكون أرحم من حياةٍ تموت فيها في اليوم ألف مرة، خوفًا، وجوعًا، ومرضًا أيضًا، منذ أعلنت "إسرائيل" حربها على قطاع غزة في السابع من تشرين أول/ أكتوبر الماضي.

تخبرنا وفاء: "دمي وصل إلى خمسة، وبالكاد أستطيع المشي. أي حركة تسبب لي اللُهاث، وعلاجي في المستشفى لم يعد منتظمًا لضعف الإمكانات. حتى جلسة غسيل الكلى إن حظينا بها، فتكون سريعة، وليست كما الماضي 4 ساعات".

توقفت وفاء عن غسيل الكلى مراتٍ عديدة، مرةً لنقص المستلزمات، ومرةً لانقطاع الكهرباء، ومرةً لاجتياح المستشفى من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي، وفي كل مرةٍ تشعر -وفق تعبيرها- بأن عداد عمرها يتناقص نحو النهاية، "كنتُ أشعر وكأن الوقت لن يسعفني لأعود إلى المشفى مرةً أخرى".

قبل وصولها إلى الجنوب، نزحت عليان إلى مدرسة في بلدة جباليا شمالي القطاع، وتقول: "لم أتوقع أن أعيش إلى هذا اليوم. بقيت لأسبوعين بآلامي وحدي، ولم أغسل الكلى بسبب اجتياح مستشفى الشفاء".

وتردف: "كنتُ قبل اجتياح المستشفى، أصله عن طريق العربات التي تجرها الدواب، وعندما يشتد بي الألم، أخرج تحت وطأة القصف العنيف قاصدةً قسم الغسيل"، مستدركةً بحرقة: "في كل مرةٍ كان عددنا ينقص واحدًا، كنا ثمانية، وحتى لحظة اقتحام الشفاء بقينا أنا ومريضة أخرى، نعاني نحن الاثنتين من ارتفاع نسبة السموم بالجسد نتيجة إصابتنا بشظايا متطايرة جراء قصف استهدف أماكن قريبة".

ومنذ بدء الحرب على قطاع غزة، ناشد نحو 1500 مريضًا بالكلى من أجل الانتظام بعمليات الغسيل، لكن العدوان الإسرائيلي الذي تسبب بقطع الكهرباء والماء، وحصار المستشفيات والمراكز الطبية، ومنع دخول الأدوية والمستلزمات الطبية، لم يُتح أي فرصةٍ لتحقيق ذلك، "ولو لدواعي الإنسانية" تزيد وفاء.

قبل أن تعود عليان لغسل الكلى في مستشفى شهداء الأقصى، وسط قطاع غزة، وبينما كانت تخاطر للوصول إلى مستشفى الشفاء، كانت رحلة الذهاب إلى المستشفى محفوفة بالمخاطر، تضاهيها في الرعب رحلة العودة. "كانت مأساة أخرى، فنحن نخرج من جلسة الغسيل غير قادرين على السير. نمشي مسافات طويلة بحثًا عن عربة تُقلنا إلى أماكن سكنانا، ونجلس أحيانًا لساعات في الشارع قبل أن تصل واحدة" تشرح.

وتعقب: "لمرّتين أعود من جلسة الغسيل إلى المدرسة التي نزحتُ إليها، فأجد الدبابات وقد وصلتها وحاصرتها من جميع النواحي، وكان هذا يضطرني إلى العودة للمستشفى، والمكوث هناك بينما بناتي محاصرات وحدهن في المدرسة".

كانت طوال فترة مكوثها في المستشفى، تجلس وحيدة. تسأل نفسها بحرقة عن حالهن في المدرسة: ماذا يفعلن الآن؟ من سيُهدِّئ من روعهن؟ هل سيبقين على قيد الحياة، أم أنها ستسمع أسماءهن في قوائم الشهداء؟

"تكسر ابنتاي قلبي المثقل أصلًا بالهم، حين أراهما عند طابور المياه وفي طابور تكية الطعام. كأنني أرى نكبة فلسطين في عينيهما".

سابقًا، حوصرت هذه الأم المريضة أيضًا في مدرسة، عندها ضرب الاحتلال قنابل الغاز وأصيبت بالاختناق حتى كادت أن تموت، كونها تعاني من ضعف التنفّس في ظل مرضها، لكنها عادت للحياة مجددًا "ربّما من أجل بناتي" تعلق.

ولوفاء طفلتين توأم، تقول: "تكسران قلبي المثقل أصلًا بالهم، حين أراهما عند طابور المياه وفي طابور تكية الطعام. كأنني أرى نكبة فلسطين في عينيهما".

تحت كل هذه الظروف، سألناها: بماذا تحلُمين؟ فأجابت: "أحلم بالعودة إلى منزلي، أحلم بغسيل كلى منتظم. أحلم بالحصول على الدواء. أشعر أن الله يمنحني الحياة كل مرة من أجل معالجة زوجي المصاب بمرض نفسي، وكي أكون سندًا لابني وبناتي، فأنا المسؤولة عنهم جميعًا".

تختم بحرقة: "أنا بعيط على حالي. نفسي أرتاح"، ثم تستدرك متسائلة: "بس مين بيعرف طعم الراحة، وهو في بلد تحت الاحتلال؟".

كاريكاتـــــير