غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
في بلدة جباليا، حيث تزدحم الشوارع بأنات الثكالى، وركام المباني التي نهشتها الأحزمة النارية، ثمة ضوءٌ ينبعثُ من ابتسامة أحدهم هناك، وتصفيقٌ خافتٌ لنجاحٍ عظيمٍ بين الركام، سطره أنس القانوع.
قبل عدة أيام، ضجّت مواقع التواصل الاجتماعي، بصور أنس (37 عامًا)، الذي يعمل مدرسًا في الجامعة الإسلامية، يناقش رسالة الدكتوراه بتخصص الفيزياء عبر الإنترنت، مع لجنة المناقشة في إحدى جامعات ماليزيا.
بدأت الحكاية، عندما أنهى أنس الجزء العملي لتخصصه كاملًا في ماليزيا، وعاد إلى غزة لكتابة الرسالة "براحة"، قبل أن تقوم الحرب، لكن أي راحةٍ تلك؟ والحرب لم تبقِ منزلًا على حاله. حرفيًا، لم يبقَ في شمال غزة أحد إلا وترك بيته تحت نيران القصف الجنوني الذي تشنه طائرات الاحتلال، ناهيكم عن المباغتات والتوغلات البرية، التي أنهكت الصامدين هناك.
بعد انسحاب الاحتلال في يناير 2024م، قررت عائلة القانوع التي تركت بيتها تحت وطأة الأحزمة النارية العودة، لتجده وقد دُمّر تمامًا. يقول الرجل: "استصلحنا جزءًا منه للعيش فيه، من دون ماء ولا كهرباء ولا إنترنت، ولا حتى شبكات إرسال متوفرة"، مستدركًا بابتسامة رضا: "لكنه المنزل".
فور استقراره، قرر المضي فورًا في الرسالة، فأخذ يبحث عن بدائل. "اشتريت بطارية وجهاز ملحق بها، وساعدني قريب لي بتوفير إنترنت بصعوبة بالغة، واستضافني مدة شهرين ونصف لكتابة الرسالة، كانت حياتي خلال تلك المدة بين منزلي ومنزله" يزيد.
ويضيف: "لم يكن سهلًا علي إكمال الرسالة تحت هذه الظروف. يوم الحرب يمر وكأنه ألف يوم، عقلي مشتت، وعلى كاهلي مسؤوليات عظيمة، من بيتها توفير احتياجات الأسرة، من طعامٍ على الأقل في ظل المجاعة المطبقة على الشمال".

كان أنس يخاف من سقوط حجارة البيت المفكّكة فوق رؤوس أفراد عائلته. كان يخاف من قصفٍ آخر مباغت يدمر ما تبقى من المنزل. يحاول الكتابة ويخيل له أن قصفًا ما سيمنعه ويدمر كل ما وصل إليه مجددًا. كان يُقنع نفسه بأن الموت وحده هو من سيمنعه عن إكمالها، إلى أن تيسرت الأمور.
يتابع: "حاولتُ التغلب قدر الإمكان على كل الصعوبات، وواصلت الليل بالنهار. كنتُ مُصرًّا على إنهاء كتابة الرسالة خلال وقت قصير حتى قمت بتسليمها في الربع الأخير من مارس، وناقشتها في أول تموز عند الرابعة فجرًا".
"ادرسوا واقرؤوا. لا تيأسوا، سوف تسير بنا الحياة حتى تحت الحرب، إنها أقدار مكتوبة ونحن لنا أنفاس لم تنقطع بعد"
يوجه أنس رسالته إلى الشباب في قطاع غزة: "لا لليأس"، متابعًا بتفاؤل: "وأنا أسير في شوارع غزة خلال الحرب، أنصحهم ادرسوا واقرؤوا. لا تيأسوا، سوف تسير بنا الحياة حتى تحت الحرب. لا لليأس، إنها أقدار مكتوبة ونحن لنا أنفاس لم تنقطع بعد. يجب علينا العمل من وسط المعاناة، ومصير الحرب أن تنتهي، لكن نحن من يجب عليه الوقوف والاستعداد ليوم انتهائها".
























