غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
يصغر الإنجاز أمام الحزن الكبير في غزة، فتبرز حكاية الثلاثينية أروى عبد الله أبو دوابة "على استحياء"، الشابة التي نجَت من موتٍ خطف شقيقيها الوحيدين محمد ومحمود، بعد أسابيع قليلة من وفاة والدها بالسرطان، ليتركوها برفقة أمها الستينية، و3 شقيقات تعصف بهن الخطوب.
وسط هذا الحزن المتدفق كشلال هادر نجحت أروى في الحصول على شهادة الماجستير في الإعلام من الجزائر بتفوق، غير أنها لا ترى فيما حققته "بطولة"، وتقول لـ "نوى": "والله، جهدي كله كان بنيّة إسعاد والدتي وتخفيف وطأة الحزن والمرض عن جسدها البعيد عني هناك في غزة، حيث الحرب المجنونة والحصار الخانق".
قبل أسابيع قليلة من اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، في السابع من أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي، توفي والد أروى بالسرطان، ولم تكن والدتها المريضة بالسكر قد شفيت من الحزن بعد على والدتها التي توفيت قبله بشهور. وقعت الحرب، وانفتحت أبواب الحزن عليها واسعةً جدًا.
خاضت أروى تجربة النزوح منذ الأيام الأولى للحرب، حين توجهت مع والدتها وشقيقتها نبال، وشقيقها محمد (33 عامًا) وزوجته وأطفاله، وشقيقها الأصغر محمود (19 عامًا) من منزلهم في "أبراج المخابرات" شمال غربي مدينة غزة، إلى منزل أصدقاء في "غزة القديمة"، وخرجوا من هذا المنزل بحزن كبير وقد فقدوا محمد ومحمود مع آخرين من أصحاب المنزل، ثم انتقلت زوجة محمد مع أطفالها إلى منزل ذويها.
تبدأ حكاية أروى عندما عادت إلى غزة في زيارة لرؤية والدها المريض، أثناء الإجازة الصيفية من جامعتها في ولاية مستغانم الجزائرية، وما هي إلا أيام معدودة حتى اندلعت الحرب، وكان والدها قد انتقل إلى جوار ربه.
تحكي: "كانت منطقة أبراج المخابرات من بين أوائل المناطق التي طلب الاحتلال السكان بإخلائها والنزوح إلى جنوبي القطاع، لكننا قررنا النزوح في نطاق مدينة غزة، وأملنا أن تنتهي الحرب سريعًا".
إلى منزل أصدقاء شقيقها القريب من مدرسة دير اللاتين في منطقة غزة القديمة أو ما تعرف باسم "البلد" لجأت هذه الأسرة، وأقامت في شقة بالدور الثاني، وفي أحد أيام الجمعة من شهر نوفمبر/تشرين الثاني، كانت أروى تقف في شرفة الشقة تحتسي الشاي، وتحاول أن تلتقط إشارة إنترنت للاطمئنان عن شقيقاتها وصديقاتها. انتبهت إلى تحليقٍ غير عادي لمسيرات يطلق عليها الغزيون اسم "الزنانة"، وقالت في نفسها ضاحكةً: "أشعر أنها تراقبني وستقصفني مع كاسة الشاي".
لم يطل حديث أروى مع نفسها، وإذا بنهار ذلك اليوم يتحول إلى ظلامٍ دامس، والغبار والركام يلفان المكان. "اعتقدت للحظات أنني شهيدة" تقول أروى، لكنها سرعان ما أدركت الحقيقة، وتمالكت نفسها وصرخت على والدتها وشقيقتها للاطمئنان عليهن.
في ذلك الوقت، وكما هي عادتهم اليومية كان شقيقا أروى، محمد ومحمود وشباب المنزل، يتجمعون في شقةٍ بالطابق الثالث، وقد تجمعوا يومها مبكرًا بين صلَاتَي الظهر والعصر، رغم أن عادتهم التجمّع بعد المغرب.
تضيف: "صعدتُ وكان درج البناية محطمًا، والركام في كل مكان، وإذا بجثة مقطعة ومتفحمة على باب الشقة. صرختُ ولم أجرؤ على تفحصها جيدًا، لكنني أدركت أن الشهيد ليس شقيقي لاختلاف حجم الجسد".
أجبر منقذون ومتطوعون أروى على مغادرة البناية خشية معاودة الاحتلال استهدافها، فوقفت في الشارع المقابل لها ترصد عمليات انتشال الجثامين، حيث لم ينجُ من الشقة المستهدفة سوى شاب واحد، أنقذته قطعة أثاث شكلت له حماية.
تزيد أروى: "كان موعدنا في ذلك اليوم الحزين أن ننزح صباحًا نحو جنوبي القطاع، وقد فعلت بنا الحرب ما فعلت من إرهاب وتجويع"، مردفةً: "لم نكن نجد ما نأكله، غير أننا أجلنا النزوح خشية على محمد ومحمود من الاعتداء والاعتقال على حاجز نتساريم، لتقع المصيبة ونفقدهما سويًا حتى أنهما دفنا من دون وداع".
وتكمل: "قضينا ليلتنا لدى أحد الجيران، وفي الصباح أقنعت والدتي بصعوبة بضرورة النزوح، وكانت رحلة مليئة بالعذاب والمشاهد المؤلمة. وكأنها أهوال يوم القيامة".
كان الحزن قد طغى على تفكير أروى، حتى لعبت والدتها دورًا في إقناعها بضرورة السفر، واستكمال مسيرتها التعليمية. تقول: "أتيحت الفرصة لي للسفر ومغادرة غزة في شهر فبراير الماضي، لكن القلق على والدتي وشقيقتي سيطر علي، حتى امتثلت لرغبة والدتي".
في العام 2022م، حصلت أروى على منحة دراسية من وزارة التربية والتعليم العالي في السلطة الفلسطينية لدراسة الماجستير في الجزائر، وتخبرنا: "عندما عدتُ للجامعة كان الفصل الدراسي الأول وهو الإطار النظري قد تجاوزني، وزملائي بالفصل الثاني، لكنني وجدت كل التشجيع والمساعدة من الأساتذة والزملاء، وبكثير من المثابرة والتعب، حتى أنني كنت لا أنام ليالٍ متتالية، حتى تمكنتُ من إنجاز الرسالة ومناقشتها متوشحة بالكوفية الفلسطينية، والحصول على درجة الماجستير بتفوق".
تكرر أروى من جديد: "ليست بطولة مني، ولكن توفيق من الله، ورغبة في إسعاد والدتي. هذا ما ساعدني على الدراسة والإنجاز رغم المصاب الجلل"، وقد كان إهداء رسالتها ممهورًا بدم الشهداء لروح شقيقيها ووالدها، ولكل شهداء فلسطين على طريق الحرية.
"كنت أتمنى لو أن لي جناحين لأطير لأمي وارتمي برسالتي في حضنها" تصف أروى حالها، وتستدرك: "لكن الحدود التي تفصلنا عن بعضنا البعض قاسية، وصعبة، وعنيدة. أنا هنا في الجزائر، ووالدتي وشقيقاتي هناك في غزة حيث الحرب والحصار، ولا أعلم متى سيكون اللقاء وأين؟ لكنه ما أعلمه أنني مشتاقة لرائحة تراب غزة، وبحرها، ووجوه أهلها، وسأسخر علمي كي أحمل قضية شعبي في كل محفل".
























