شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 27 يوليو 2026م19:39 بتوقيت القدس

أربع جنازات شُيّعت تحت جُنح الظلام..

ليلة صادر الجنود حق "الوداع" في "تَل"

27 يوليو 2026 - 18:17

الضفة الغربية/ شبكة نوى-فلسطينيات:

لم يكن استشهاد أربعة من أبناء بلدة تل، جنوب غربي نابلس، نهاية المأساة. فبعد ساعات من الفقد، وجد الأهالي أنفسهم في انتظار إذن لدفن أبنائهم.

صبيحة الجمعة الماضية، هاجم مستوطنون من محيط البؤرة الاستيطانية "حفات جلعاد" أطراف البلدة، ومع اتساع الاعتداءات، خرج شبان القرية للدفاع عن بيوتهم وأراضيهم، قبل أن تتحول المواجهة إلى مجزرة أودت بحياة الشقيقين إبراهيم وجواد حسين علي رمضان، وابن عمهما فاروق عدنان علي رمضان، وعمران أحمد علي رمضان.

استعدّت القرية لتشييع شهدائها كما هي عادة القرى الفلسطينية في وداعات الراحلين: آلاف المشيعين تجمعوا، أكتاف تجهّزت للتناوب على حمل النعوش، ووداع أخير يليق بمن رحلوا، لكن الساعات مضت، وبقيت الجثامين تنتظر.

لم يسمح الاحتلال بإقامة الجنازات نهارًا، وعندما تجاوزت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، فُتح الطريق أخيرًا، لكن بشروط صارمة: ثلاثون مشيعًا فقط من أقارب الشهداء الأربعة مجتمعين، وجنازات سريعة، وشوارع خلت من أهلها الذين حُرموا حتى من النظرة الأخيرة.

المأساة لم تتوقف عند الشهداء الأربعة، فقد أصيب شقيقا إبراهيم وجواد خلال الهجوم، وبينما كانا يتلقيان العلاج في المستشفى، اعتقلتهما قوات الاحتلال. وبين جنازة أربعة أبناء، والقلق على اثنين آخرين اقتيدا من سرير العلاج إلى الاعتقال، وجدت عائلة رمضان نفسها تواجه فاجعة يصعب استيعابها.

رئيس مجلس قروي تل، وليد زيدان، قال لـ"نوى": "منذ الصباح كنا ننتظر السماح بالتشييع، لكن الاحتلال أبقى الجثامين لساعات طويلة، قبل أن يسمح بالدفن بعد منتصف الليل، وبعدد محدود من المشاركين. حتى حق العائلات في وداع أبنائها لم يسلم من القيود".

ويصف زيدان تلك الليلة بأنها من أثقل الليالي التي مرت على البلدة، فبدلًا من أن تتحول الجنازة إلى لحظة تلتف فيها القرية حول عائلات الشهداء، اضطر الأهالي إلى اختيار من يرافق النعوش، ومن يبقى خلف الأبواب. كثيرون اكتفوا بالدعاء من بعيد، بعدما حُرموا من إلقاء النظرة الأخيرة.

زيدان: "لا تزال البلدة تعيش تحت وطأة اعتداءات المستوطنين واقتحامات قوات الاحتلال، في ظل خوف دائم من تكرار الهجمات".

ويؤكد زيدان أن أثر ما جرى تجاوز لحظة الدفن، إذ ما تزال البلدة تعيش تحت وطأة اعتداءات المستوطنين واقتحامات قوات الاحتلال، في ظل خوف دائم من تكرار الهجمات.

ولم تتوقف الضغوط عند هذا الحد، حيث سلّمت قوات الاحتلال عائلة الشهيد فاروق عدنان علي رمضان إخطارًا بهدم منزلها، بعد اقتحامه وأخذ قياساته تمهيدًا لنسفه.

وبينما كانت العائلة تحاول استيعاب فقدان ابنها، وجدت نفسها تواجه احتمال فقدان بيتها أيضًا.

في تل، لم تكن الجنازات مجرد مراسم دفن، بل شهادة جديدة على أن الألم لا ينتهي عند لحظة الاستشهاد، بل يمتد إلى كل ما يليها؛ حتى الخطوات الأخيرة نحو القبر.

انتهت الجنازات قبل بزوغ الفجر، لكن الليل لم ينتهِ في ذاكرة تل. هناك أم تنتظر أبناءها الذين لن يعودوا، وأب يحاول أن يفهم كيف فقد اثنين من أبنائه في يوم واحد، وأطفال سيكبرون وهم يعرفون آباءهم من الصور، وأقارب لم يُمنحوا فرصة الوداع التي تمنوها.

قد يستطيع الاحتلال أن يفرض موعد الدفن، وأن يحدد عدد المشيعين وأوقات التشييع وحضوره، لكنه لا يستطيع أن ينتزع من ذاكرة البلدة تلك الليلة التي لم يُصادر فيها حق الحياة وحده، بل صادر أيضًا حق الوداع.

ففي تل، لم تكن الجنازات مجرد مراسم دفن، بل شهادة جديدة على أن الألم لا ينتهي عند لحظة الاستشهاد، بل يمتد إلى كل ما يليها؛ حتى الخطوات الأخيرة نحو القبر.

كاريكاتـــــير