غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
بينما كانت تقضم أظافرها، بدأت قطرات البول تتساقط على ثوب سهر. نظرت بريبةٍ إلى النازحين المارين قربها، وبدأت بالبكاء، ثم انتابتها فجأةً نوبة ضحكٍ هستيرية! وحده حضور الأم أنهى هذا المشهد "البوهيمي".
أمسكت بيدها برفق، وأخذتها لتغير لها ملابسها في الغرفة المخصصة للعائلة (المكونة من سبعة أفراد)، في أحد مراكز الإيواء بمدينة دير البلح، وسط قطاع غزة.
بدأت قطرات البول تتساقط على ثوب سهر. نظرت بريبةٍ إلى النازحين المارين قربها، وبدأت بالبكاء، ثم انتابتها فجأةً نوبة ضحكٍ هستيرية!
تعاني سهر الحملاوي (33 عامًا) من مرض الفصام العقلي، وهو أحد الأمراض النفسية الصعبة، التي تدفع بصاحبها إلى تفسير الواقع بشكلٍ غير طبيعي، ما قد ينتج عنه مجموعة من الهلوسات والاضطراب البالغ في التفكير والسلوك.
تقول أمها لـ"نوى": "الحرب أدت إلى زيادة الضغوط النفسية والاجتماعية على الشخص الطبيعي، فما بالكم بالأشخاص الذين يعانون أمراضًا نفسية"، مضيفة: "وليسوا هم وحدهم، فأفراد عائلاتهم الذين يرعونهم أيضًا يكابدون معاناة مضاعفة".
لا تستوعب سهر حتى اللحظة الحرب، ولا أن عائلتها نازحة، ولا أنهم في مركز إيواء، ولهذا تجدها تتشاجر كثيرًا مع النازحين من حولها سواءً داخل الصف أو خارجه، وأحيانًا تتخيل تخيلات غير واقعية، "وهذا يجعلني طوال الوقت بأعلى درجات التركيز والانتباه، لأنها من الممكن أن تجد أداة حادة، تؤذي بها نفسها، أو تؤذي الآخرين" تتابع.
وتكمل بحزن: "قبل الحرب كانت سهر تداوم على أخذ العقاقير النفسية مثل فلوفينازين، أو بيرفينازين، أو الإبر المهدئة؛ للتقليل من الاضطرابات التي تعانيها، أما الآن فلا يوجد أي مستشفى أو صيدلية تستطيع توفير هذه الأدوية".
ويعيش أكثر من مليوني شخص في قطاع غزة تحت ضغوطات نفسية، منذ أكثر من عقد ونصف، نتيجة الظروف السياسية الصعبة، وتدني المستوى المعيشي، والفقر، والبطالة، والحروب المتتالية، فيما لم يكن هناك سوى مستشفى واحد للصحة النفسية بسعة خمسين سريرًا فقط، ويخدم المحافظات الخمس، وقد دمره الاحتلال بالكامل، وجرفته الآليات العسكرية قبل عدة أشهر، خلال العدوان الإسرائيلي المستمر من السابع من أكتوبر/ تشرين أول الماضي.

منى ياسين (42عامًا)، تعاني من الاكتئاب المزمن ثنائي القطب، وتقول لشبكة "نوى": "علمتُ بمرضي عام 2009م، عندما مررتُ بتجربة شخصية مؤلمة، جعلتي أعيش أفكارًا سوداوية للغاية، وبعد مقاومة شديدة للفكرة، اتّبعت نصيحة صديقة لي بأن أراجع طبيبًا نفسيًا".
آنذاك ظنّت منى أن الطبيب سيصف بعض العلاجات أو الأقراص، وستنتهي المشكلة، لكن الأمر لم يكن بتلك السهولة، فقد تجرعت بعد ذلك الأمرين، إذ وجدت نفسها حتى اللحظة مضطرة للاستمرار بتلك الأدوية، رغم عدم توفرها حاليًا.
تزيد: "في حرب الإبادة كل شيء اختلف، فأنا نازحة عند أقارب لنا داخل محافظة النصيرات، ومعي العديد من العائلات. الأمر محرج لي ولعائلتي، فمريض الاكتئاب يعاني من اضطرابات الأكل والنوم، وتذبذبٍ في العلاقات الاجتماعية والعمل، وتخبّط في العلاقات العاطفية، وكان حصولي في السابق على بعض الأقراص المضادة للاكتئاب يخفف نوعًا ما من تبعات مرضي".
تردف بنبرة قهر: "الآن لا يوجد دواء، ووضعي النفسي والصحي تفاقم سوءًا، وأصبح بعض النازحين والأطفال ينعتونني بالمجنونة نظرًا لأكلي الشره، أو نومي لساعات طويلة تتجاوز ال 14 ساعة إلى جانب عدم حديثي مع أحد من الموجودين، وغيرها من المواقف المؤلمة".
"الآن لا يوجد دواء، ووضعي النفسي والصحي تفاقم سوءًا، وأصبح بعض النازحين والأطفال ينعتونني بالمجنونة"
وتقول علياء أبو مريم، أخصائية علم النفس: "يعاني المصابون بالاضطرابات النفسية من عدم الحصول على الأدوية النفسية التي يحتاجونها بسبب استمرار الحرب. هذا انعكس بشكل كبير على صحتهم النفسية والجسدية، وعلى وضعهم الاجتماعي والأسري كذلك"، موضحةً أن طول أمد الحرب صار من العوامل الضاغطة والمؤثرة بشكل كبير جدًا، على المرضة والأصحاء كذلك.
تشرح ذلك بقولها: "يعزز امتداد أيام الحرب الأعراض النفسية، ومنها الشعور الدائم بالقلق والخوف والتوتر، والشعور بالوحدة والانطواء، فإذا اشتدت العوامل النفسية والبيئية والاجتماعية في ظل الظروف الضاغطة، قد يؤدي ذلك إلى التفكير بالانتحار والتخلص من الحياة بشكلٍ أو بآخر"، مقدمةً مثالًا على ذلك: "يمكن أن تقود المريض أفكاره للذهاب إلى المربعات السكنية الخطرة المهددة بالإخلاء، إما عن وعي ومعرفة كتنفيذ فكرة التخلص من الحياة، أو بطريقةٍ غير متزنة وغير واعية نتيجة غياب الأدوية والمهدئات ومستشفيات الطب النفسي".
وعن عائلات المرضى "فقد أثرت الحرب بشكل كبير عليهم، وعلى كيفية تعاملهم مع أبنائهم، حيث باتوا يواجهون مشكلة السيطرة على المصابين، إذ لا بيوت، ولا مساحات آمنة معتادة بالنسبة لهم، ولا أشخاص يبثون الاطمئنان، ولا وحدات طبية يلجؤون إليها وقت الطوارئ، ولا حتى أدوية نفسية مهدئة. أبناؤهم في مكان ليس مكانهم، مع أناس لا يعرفونهم، في ظل ظروفٍ حياتية غير إنسانية في المدارس أو في خيام النزوح".
وتطرح أبو مريم فرضية أن تكون الأم أو الأب مريضًا، وبالتالي لا يمكنهم القيام بأدوارهم الأسرية، لعدم تلقيهم العلاجات اللازمة، "وهذا ينعكس على الأطفال والأبناء سلبًا، حيث يعون أنهم خسروا مصدر الأمان في هذه الحرب، فلا حضنه مفتوح لخوفهم، ولا هو قادر على توفير متطلبات حياتهم"، منوهةً إلى أن النازحين في مراكز الإيواء أيضًا، أو في الخيام داخل مخيمات النزوح، معظمهم غير مؤهلين للتعامل مع أصحاب الأمراض النفسية، "كما أن الظروف البيئية عير مهيئة لتوفير الطمأنينة والراحة لهم، وهذا قد يدفع بالمريض للتحول إلى شخص عدواني".
لا يوجد أي نقاط قوة يعتمد عليها مقدم الرعاية النفسية في علاج أي حالة ترد إليه، فجلسات الدعم النفسي لا تفي بالغرض، إذا لم تقترن بالأدوية اللازمة
وتنبه أبو مريم من مخاطر استمرار منع دخول العقاقير الطبية للمرضى النفسيين، "حيث لا يوجد أي نقاط قوة يعتمد عليها موفر الرعاية النفسية في علاج أي حالة نفسية ترد إليه، فجلسات الدعم النفسي لا تفي بالغرض، إذا لم تقترن بالأدوية اللازمة والدورية لهذه الحالات".
























