غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
لا تقتصر مضامين الموت في قطاع غزة على دفن الشهداء والتأكد من موتهم، بل تمتد إلى حالة التشكيك، والخيالات التي تدور في أذهان أحبائهم "حول أنهم ربما ما زالوا أحياء" فتميتهم هم أيضًا!
ديمة أبو جبارة، طفلةٌ تبلغ من العمر 10 سنوات، وتُوسم بأنها الناجية الوحيدة من بين أخوتها الستة ووالدها الذين قضَوا بقصفٍ إسرائيليٍ استهدف منزلهم في مخيم البريج وسط القطاع، خلال الأسبوع الأول من العدوان.
جهاد وآلاء ولينا وصفاء، والصغيرة سارة، التي لم تتجاوز العام ونصف العام من عمرها، قتلتهم "إسرائيل"، فيما تناقل الناس مقتل "أسامة"، وبقاء جثمانه تحت أنقاض البيت المقصوف وفقًا للطفلة.
في خيمةٍ بمساحة مترين، تنام ديمة وتصحو وهي تفكر بأسرتها الشهيدة. تتبادل الحديث مع أمها، وتقول لها في كل مرة "بس أنا حاسة إنو أسامة عايش، مش يمكن حدا أنقذه وتبنّاه؟".
تراود ديمة كثيرًا أفكارًا وخيالات، تخبرها بأن أسامة سيظهر حيًا بعد انتهاء الحرب، وأنها لا تصدق إلا بنسبة 10% أنه استشهد بالفعل. تقول: "في لحظة القصف، وقع علينا سقف البيت، وتمكن الجيران من رفعه مع بزوغ ضوء النهار. وصل الدفاع المدني وحاولت طواقم الإنقاذ انتشال بقية أسرتي حتى حلّ الليل، لكنهم لم يتمكنوا من ذلك".
لم تكن هناك كهرباء تضيء المكان أمامهم، ولا معدات كافية، ولا حتى مساحة أمان تدفعهم للاستمرار بعملهم تحت شظايا الصواريخ والقذائف، وفي اليوم التالي للقصف تمكنت الطواقم من انتشالهم جميعًا، باستثناء أسامة الذي لم تتمكن المعدات الضعيفة من انتشاله.
وتضيف: "لحظة القصف كنا نصلي الفجر أنا وماما، سمعتُ صوت أمي التي أنقذها الجيران تصرخ: وينك يا ديمة؟ ولما وجدَتني أمسكت يدي، كل هذا ونحن تحت الأنقاض".
أُخليت ديمة إلى المستشفى، تبكي وتدعو بأن يكون أخوتها على قيد الحياة، تفكر بهم وتنادي عليهم كل واحد باسمه، ولم تستسلم أبدًا لحقيقة أن "إسرائيل" انتزعت أرواحهم جميعًا من دون مقدمات، ولا تبريرات.
يقال أيضًا "إن لحظات الوداع مرّة"، لكن ديمة لم تودع أحدًا من قبل! هكذا تخبرنا. تصمت وتسرح ثم تعود لتكمل: "أنا لم أرد وجه أي واحد منهم، ودعتهم من فوق الكفن بالمستشفى".
وتتابع: "خفت أن ألمح وجه أي منهم، أردت فقط أن تبقى صورهم وهم أحياء حية بذاكرتي. خفت من هذه اللحظة. أنا لا أعرف معنى الوداع، ولا كيف لي أن أتقبل فكرة موتهم مرة واحدة بصواريخ الاحتلال مضرجين بدمهم".
"لحظة القصف كنا نصلي الفجر أنا وماما، سمعتُ صوت أمي التي أنقذها الجيران تصرخ: وينك يا ديمة؟ ولما وجدَتني أمسكت يدي".
كل ما ترجوه الطفلة أن تقف الحرب. أن يفتح ذلك أمامها مساحةً للحزن! فحتى الحزن تحت الحرب صار ترفًا لا تستطيع الناس التعبير عنه ولا العيش فيه! يغرقون فقط في المأساة وفي الموت.
























