غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
أول نزوحٍ، وبداية طريقٍ جديد، شقّه أبو أحمد الريفي مع عشرات آلاف الفلسطينيين الذين نزحوا من غزّة المدينة على وقع دويّ الموت.. إلى النصيرات وسط القطاع.
في "تل الهوى"، دُمّر بيتُه، ومصنع الحلويات والمعجنات الذي كان يسند معيشته ومعيشة عائلته الكبيرة. رضيَ لكنه لم ييأس. إنه يؤمن بأن وراء كل نهايةٍ بداية، ومن هنا انطلق.
"لماذا لا أصنع الخبز للناس؟" كان يتساءل وسط أزمة الغذاء التي أنجبتها الحرب. كان الناس يجتمعون بحثًا عن الخبز في طوابير طويلة جدًا، منهم من يصل دوره، ومنهم لا! مرةً لانقطاع الغاز، ومرةً لنفاذ الطحين، "ولهذا قررتُ أن أبني نفسي من جديد، أن أعود لحرفتي التي أعشقها، بإمكانات بسيطة، وعلى نار الحطب" يقول.
لكن لا شيء يكتمل في الحرب سوى قصص "الشهداء"! قصص الموت التي تتقن "إسرائيل" كتابتها وتنفيذها، وحكايات الدمار والخراب. لقد قُصف المنزل الذي نزح إليه في النصيرات، ودُمر المحل الذي احتوى مخبزه الصغير، فكان النزوح الثاني إلى حيث رفح جنوبي القطاع.. "وفق خريطة الاحتلال الآمنة المزعومة" يعلق.
ويضيف: "إن كانت الحرب تعني الدمار، فأن تكون فلسطيني يعني أن لا تستسلم. افتتحتُ مخبزًا آخر في خيمة!".
يضحكُ أبو أحمد بعنفوانٍ ويتابع: "الحرب لم ترحمنا، والحصار اشتد، والناس يريدون الخبز، لذلك كان لزامًا علينا أن نجد البدائل، وأظن أن مخبزي المتواضع كان مُجديًا بالنسبة لعشرات الأسر، قبل أن تُجتاح رفح، وأعود فأبني خيمةً أخرى وسط القطاع".
غرق الرجل في عمله، وبدأ بصنع المعجنات، وبعض أنواع الحلويات والبتيفور والمعمول، وحلاوة الفستق، وجوز الهند، والكيك، حسب المتوفر. تصبب جبينه من العرق لم يكن يمنعه من مراقبة الأطفال وهم يتلذّذون بقضم المخبوزات لقمةً لقمة، ويصف الأمر بقوله: "أحيانًا أشعر بأن جسمي ينتفض وقلبي يرجف، كيف لهذه الأشياء التي لم تكن تخلو من أي بيت أن تصبح حلمًا في غزة؟ أرى الأطفال يأكلون أمامي وأنا الذي أتضور جوعًا، فأشعر فجأةً أن بطني ممتلئ كما لو أكلت عنهم جميعًا".
ولعلّ الجميل في قصة العم أبو أحمد، أن مخبزه هذا شكّل فرصة عمل للعديد من الشبان، الذين يرغبون بتوفير مصروفهم اليومي، ووفقًا له، فإنهم برغم كل الظروف التي يمرون بها، لديهم قدرة على العطاء، ولم يكن الدخل أساس طلبهم للعمل، بقدر ما كان طلبهم مساعدة الناس ومساندتهم في هذا الواقع المر.
في مخبز "الحرب"، تُصنع كل الأشياء -بالمتوفر من المواد- وتكون شهيةً بعد حرمان. يطلب الناس "البسبوسة" لكونهم لا يستطيعون صنعها في الخيام، وكذلك المختوم، وأبو أحمد يلبّي بأسعارٍ "على قدر اليد والجيب".
بعد تجربته هذه، يرى أبو أحمد أن لا للمستحيل بغزة، فالظروف هي من تصنع الناس، والقوة في الاستمرارية، ويختم: "أنا ابن هذا الشعار، ولذلك سأستمر".
























