غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
وقف أبو عامر المصري أمام مزرعةٍ لتربية المواشي غربي مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة. لقد خرج من هنا في العام الماضي برفقة عجلٍ سمين، ذبحه ثاني أيام الأضحى، ووزّع لحمه لوجه الله.
يصحو الرجل فجأةً من شرود ذهنه على صوت أمٍ تنادي طفلها داخل المزرعة! نعم، لقد تحولت اليوم إلى ملاذٍ للنازحين، وانتشرت في أروقتها الخيام، وباتت خاليةً تمامًا من أي مواشي بسبب حرب الإبادة الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة، منذ السابع من تشرين أول/ أكتوبر الماضي.
يقول المصري مع شعورٍ بخيبة الأمل: "لا أضاحي هذا العام. سيكون أول عامٍ يمر على عائلتي بلا أضحية، منذ أكثر من عشرين عامًا".
واستذكر المصري الفرحة التي كانت تعمُّ عائلته وأطفاله عشية العيد، حيث "كنت أتشارك مع أخوتي الثلاثة شراء عجل، وأصطحب معي أطفالي الذين كانت الدنيا لا تتسع لحجم فرحتهم كل مرة".
"العيد سيأتي ودماؤنا نحن التي تُراق. نُذبح على مرأى العالم ومسمعه، ولا حراك لساكن".
وأضاف: "اليوم أعيش في واقعٍ مغايرٍ وصادم، فقد استشهد اثنان من أخوتي، وبات أطفالي يعيشون في خيام، ولا يعرفون مكانًا للفرحة"، مردفًا بحرقة: "العيد سيأتي ودماؤنا نحن التي تُراق. نُذبح على مرأى العالم ومسمعه، ولا حراك لساكن".
ويمر عيد الأضحى المبارك هذا العام على قطاع غزة، بلا أضاحي، مع مزارع مواشي فارغة أو مدمرة، أو مسكونة بالنازحين الذين لم يعد لهم مأوى، في واقعٍ إنسانيٍ مريرٍ، لم يعرف العالم مثله في التاريخ الحديث.
ويقول معين أبو شومر وهو صاحب مزرعة لتربية المواشي في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة لـ"نوى": "لا يوجد أضاحي هذا العام، ما يتوفر فقط بعض الخراف، وهي مرتفعة الثمن بشكل كبير".
وأوضح أبو شومر أن ثمن الخروف اليوم يتراوح بين (٥٠٠ و٨٠٠) دينار أردني، فيما قبل الحرب كان لا يتجاوز (٢٥٠ إلى ٣٠٠) دينار فقط.
وأشار إلى أن الوضع شمالي قطاع غزة أكثر سوءًا، إذ وصل سعر العجل هناك إلى ١٠ آلاف دولار إن وجد، بعد أن كان لا يتجاوز ٢٠٠٠ دولار قبل الحرب، متابعًا: "لقد فتحت مزرعتي أمام النازحين هذا العام، وهذا ما فعله معظم أصحاب المزارع، فلا خيار آخر أمامنا أو أمامهم. نحن في حالة طوارئ وكلنا علينا أن نساند بعضنا".
بالنسبة إلى أم محمد بريم، وهي نازحة من مدينة غزة إلى مدينة دير البلح، فتقول لـ"نوى": "حتى لو توفرت الأضاحي، كيف سنخزنها؟ لا يوجد كهرباء ولا يوجد ثلاجات".
وأوضحت أن زوجها كان معتادًا على ذبح أضحية كل عام، ولكن عدم توفر الكهرباء جعله يصرف النظر تمامًا هذا العام، حتى لو توفرت الأضاحي".
قاطعتها شقيقتها أم ياسر، وقالت: "لنعتبر أن كل ما سبق متوفر موجود، أضاحي وكهرباء وثلاجة وغيره، لكن كيف سنطبخها؟ لا يوجد غاز طهي".
وأشارت إلى أن طهي اللحوم على الحطب أمر مكلف ومرهق جدًا، إذ يحتاج إلى وقت طويل نسبيًا مقارنةً بالطهي باستخدام غاز الطهي، ويكلف الكثير من الحطب.
وأضافت: "لا أدري كم سنحتاج من سنوات لنعود إلى حياتنا السابقة التي اكتشفنا أنها كانت حياة مليئة بالنعم".
وكانت الأضاحي تشكل بالنسبة إلى شريحة الفقراء الواسعة في المجتمع الفلسطيني، فرصةً كبيرةً للحصول على اللحوم التي يُحرمون منها لفترات كبيرة بسبب ضيق الحال وانعدام الدخل.
وتقول أم حامد أبو سعدة، وهي أمٌ لستة أبناء، واستشهد زوجها في هذه الحرب: "لقد استبشرتُ خيرًا مع قرب عيد الأضحى، أن تحظى أسرتي بكمية من اللحوم، ولكن عندما علمت أن دولة الاحتلال ترفض إدخال الأضاحي لغزة، أُصبت بخيبة أمل كبيرة".
وأضافت أبو سعدة: "لا أكذب حين أقول إنني وأطفالي لم نتناول اللحوم منذ بدء الحرب في أكتوبر الماضي سوى مرة واحدة فقط.. فما توفر سابقًا منها في الأسواق كان باهظ الثمن جدًا، ولا أستطيع شراءه".
وبيّنت أنها كانت تعتمد على أهل الخير من جيرانها في تلبية متطلبات حياتها الأساسية من غذاء وملبس، معقبةً بالقول: "لكن اليوم جميع من أعرفهم من أهل الخير باتوا نازحين ويحتاجون لمن يساعدهم أصلًا".
























