غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
عندما قصفت طائرات الاحتلال الإسرائيلية منزل أحمد الزهارنة في مخيم البريج وسط قطاع غزة، لم يجد معه ما يكفي لشراء خيمة، فقرر أنه سيسند ظهره إليه، ويبقى!
بين ركام بيته، وفي فجوةٍ صنعها القصف، يعيش أحمد برفقة زوجته وطفله، لا يعيلهم إلا الله، وصناديق المساعدات، التي لا تفي بكل الاحتياجات. هنا كان عليه أن يتحرك ويمدّ جذور صموده بأي عمل، يدر عليه ربحًا ويساعده في تلبية متطلبات العيش وسط هذا الغلاء.
"طفلي الصغير له احتياجات كثيرة، الحفاضات، والحليب، وهذه أقل حقوقه، وأقل واجباتي تجاهه، لكن الحرب لم تسمح لي بتلبيتها".
أحمد، ومنذ طفولته، يُتقن الرسم، ويتفنن في اختيار الخامات، والألوان التي يمكن أن تخرج بالنهاية لوحةً يراها الناظر بقلبه لا بعينه، لكن بين نيران القصف، وانقطاع الوصل بين مدن ومناطق القطاع، لم يتبقَّ أمامه خيارٌ إلا هذه الموهبة، لكن كيف السبيل، وحتى الورق صار رمادًا بعد استخدامه لطهي الطعام؟
يقول لـ"نوى": "طفلي الصغير له احتياجات كثيرة، الحفاضات، والحليب، وهذه أقل حقوقه، وأقل واجباتي تجاهه. تخيل أن تكون عاجرًا أمام طلباتٍ كهذه".
ويضيف: "كان عليَّ أن أعمل بأي وسيلة. وفي مرةٍ كنتُ أجلس فوق تلةٍ من الركام التي صنعها القصف من جدران بيتي، أنظر حولي، فإذا بي أجد رخامةً بيضاء، كانت قاعدة للنافذة. مسحتُها وكتبتُ عليها عبارةً بألوانٍ كانت لدي، ولم تتأذّ بفعل القصف، وهنا لمعت في رأسي الفكرة".
بدأ الشاب (30 عامًا) بالبحث بين ركام البيوت المدمره من حوله، الرخام الأبيض، والحجارة المصقولة، وغيرها. يجمعها، وينظّفها ثم يبدأ بالرسم عليها، أو كتابة عباراتٍ ذات دلالات وطنية واجتماعية وشخصية.
يضيف: "كان أكثر من يقلقني عدم إقبال الناس على شراء الحجارة، واعتبار عملي رفاهية في ظل الوضع الاقتصادي المتردي الذي يعيشه أبناء القطاع، لكن الحمد لله هذا لم يحدث".
عند مفترق النخيل وسط مدينة دير البلح، وسط قطاع غزة، جلس أحمد، ووضع الحجارة المنقوش عليها العبارات عن الحياة والصبر والأمل والتحدي والصمود، ففوجئ بتجمع الناس حوله، وإعجابهم بمحتوى اللوحات الحجرية، "ثم بدأ بعضهم يطلب تخطيط اسمه، أو أسماء أصدقاء وأحباء استشهدوا في هذه الحرب اللعينة" يتابع.
ويخبرنا: "بعض الأزواج، الذين كسرت الحرب استقرارهم، أخذوا هدايا لزوجاتهم في الخيام، أسماءً أو عبارات حُب، كهدايا تذكارية. قال بعضهم سنحتفظ بها، ونقرأها بعد انتهاء الحرب ونتضحك".
يعود أحمد إلى منزله المدمر في التاسعة مساءً، بعد يومٍ طويلٍ وشاق، يمضيه تحت أشعة الشمس الحارقة. ويكمل: "في الطريق لا أحدث أحدًا، فقط أنطق الشهادتين خشية أن تصيبني قذيفة أو شظية في قصفٍ قريبٍ غادر".
هذه المخاوف، لم تزُر عقل أحمد من فراغ، فقد سبق ولاحقته طائرة كواد كابتر، وأطلقت نحوه النار عندما كان يجمع الحجارة والزلط من أحد البيوت التي قصفها الاحتلال. "لكنني لن أتوقف مهما كانت المخاطر. هذا هو مصدر الدخل الوحيد لي ولأسرتي اليوم" يستدرك.
بعد نجاح أحمد -رغم الدمار واستمرار الحرب- صار يراوده حلم أكبر من مجرد الاستمرار في هذا الطريق. يقول: "أحلم اليوم بأن تنتهي الحرب، وأن أسافر للخارج، وأمثّل قضية فلسطين بأقلامي وريشتي، وأصل بمعاناة شعبي إلى عالمٍ أصم لا يفهم صرخات الثكالى ولا بكاء الأطفال. من يدري؟ لعله يفهم الرسالة على هيئة لوحةٍ أو عباراتٍ بالخطوط العربية المختلفة. عبارات ستحكي عن غزة، وحب أهلها للحياة، وصمودهم، وثباتهم، ورفضهم التجهيل والتهجير. عن جذورهم الثابتة التي لن تزيلها صواريخٌ مهما امتدَّ أذاها".
























