غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
إذا اقتربت منه ستسمعه جيدًا. كان يدندن أغنيةً لمرسيل خليفة، ويحاول شبك بعض العيدان على هيئة شكلٍ سُداسي. "كان في مرة طفل صغير عم يلعب بالحارة.. عم بيفتش على خيطان تيطير طيارة". ابتسم لـ"نوى"، وقال بعفوية: "بدنا نفرّح هالصغار".
مصطفى الشيخ علي (17 عامًا)، افتتح مشروعًا صغيرًا في خيام النازحين بمدينة دير البلح وسط قطاع غزة، يصنع فيه الطائرات الورقية ويبيعها بمبالغ بسيطة، يمكنها أن تساعده في تلبية جزءٍ من احتياجات عائلته النازحة.
انتهى مصطفى من تثبيت عيدان الطائرة بالخيطان من كافة الجوانب، ثم بدأ المرحلة الأخيرة، وهي تغطيتها بالنايلون، الذي يحصل عليه غالبًا من "النايلون المُهمل من حوله"، بالإضافة لصنع الذيل من قصاصات الورق الملونة، ويا لسعادته عندما جرّبها في السماء ليتأكد من توازنها فطارت بـ"ولا غلطة" كما يحكي بانفعال.
يخبرنا: "سماؤنا حرة، لا يجب أن تستأثر بها طائرات الاحتلال وصواريخه، نريد أن يكون لنا فيها مكان. الطائرات الملونة شكلها أجمل بكثير، هي شكلٌ من أشكال الحياة وسط كل هذا الموت والدمار".
بدأت الفكرة لدى مصطفى، عندما وجد بعض الأطفال يصنعون طائرةً ورقية، فلم تطر معهم، فقرر مساعدتهم، ولما طارت مضى يحدث نفسه "لم لا يكون هذا مشروعي الصغير؟".
بأحجامٍ وأشكالٍ مختلفة، تلبي قدرة النازحين الشرائية، يعرض مصطفى منتجاته من الطائرات الملونة. يتفنن في صناعتها، ويراعي -وفق ما يقول- اختلاف الأذواق والمستوى المعيشي.
يضيف: "بعد أن اكتظت المساحات الشاسعة قرب الشاطئ بالنازحين، والخيام، والهم والتعب والمشكلات المعيشية. كان لا بد من التفكير بما يمكن أن يساعد الأطفال في الاستمتاع بوقت فراغهم، والتفريغ عن أنفسهم من مشاهد الحرب المؤلمة، وما عاشوه من خوفٍ ونزوح. هنا جاء هذا المشروع كالغيث في الصحراء، وبدلًا من الألعاب الإلكترونية التي تضر أكثر من ما تفيد".
يبيع مصطفى الأطباق المصنوعة من النايلون الخفيف المستعمل بأسعار تتراوح بين 5 وعشرة شواقل، أما الكبيرة المصنوعة من النايلون النظيف والثقيل، أو من الأوراق المتينة، فيتراوح سعرها بين عشرون وخمسة وعشرون شيقلًا".
ويصف الشيخ علي الذي نزح قسرًا من شمالي مدينة غزة واقع الإقبال فيكمل: "بحمد الله، هناك إقبال كبير من أهالي المخيم على الشراء. هم يريدون لأطفالهم تقضية وقت الفراغ الطويل بألعاب مفيدة، لا سيما وأن هذه اللعبة نوع من ألعاب الحركة والنشاط. تساعد الطفل على البقاء يقظًا لئلا تسقط طائرته، كما تساعده على الحركة وتزيد من نشاطه وتفرغ طاقته السلبية".
تبلغ رانيا مشهى من العمر عشر سنوات، وقد اشترت لتوها طائرة تحمل ألوان علم فلسطين. تقول من أمام مركز إيواء بينما تحاول أن تجعلها تطير: "ليس لدينا ما نفعله طوال الوقت. نحاول تجاهل مخاوفنا، وتحدي النهار الطويل بما يمكن أن يملأ وقتنا ويسلينا، ويخفف عنا. هذه الطائرات لعبة مناسبة وجميلة".
لا تدري رانيا، ما إذا كانت ستحظى بفرصة اللعب بطائرة ورقية فيما لو لم تقم الحرب، فهذه الألعاب كادت تنقرض بين أطفال غزة، بسبب سطوة الألعاب الإلكترونية، ومراكز الترفيه المختلفة.
ورغم ازدحام السماء بطائرات الاستطلاع، تؤمن رانيا أن طائرتها الملونة أقوى من أي خوف، وتقول: "يكفي أن ننظر إلى سمائنا فنرى شيئًا جميلًا غير قُبح الحرب والطائرات الحربية".
تتابع: "اشتريتُها بمصروفي. لمدة شهر جمعت ما استطعت من أجل شراء هذه الطائرة، فلم أستسلم لرغبتي في أكل الشوكولاته أو البسكويت. هذا وحدة شكل بالنسبة لي تحديًا كبيرًا انتصرتُ فيه".
ويعلم أهالي قطاع غزة، كم تسهم لعبة الطائرات الورقية في تعزيز ثقة الأطفال بأنفسهم، لا سيما وأنها كانت لعبة الجيل القديم كله، وكان "الفنان" صاحب اليد الذهبية، الذي تستمر طائرته بالطيران أطول وقت، وأمهرهم هو من تحلق طائرته أعلى من غيرها.
هذا الفضاء المتاح لأطفال غزة اليوم، لا يشبه ألوان طائراتهم، ولا ضحكاتهم على الأرض. السماء ملبدة بغيوم الخوف، ومكتظة بأشباح الليل المرعبة، التي تنفث نيرانها نحو رؤوس الأبرياء النائمين، الذين لا يملكون من أمرهم إلا الانتظار.. والدعاء.
























