غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"محظوظة"، هكذا تُوصف مرفت حجازي بين قريباتها، اللاتي نزحن قسرًا برفقة عائلاتهنّ من بيوتهن، بملابسهن التي يرتدينها فقط. كيف لا؟ ومرفت (42 عامًا) تمكّنت من إنقاذ ثوبها المطرز، الذي صنعته لها أمها المُهجّرة من قريبة يبنا، ووضعته في حقيبتها المطرزة مع جواز السفر وكل المستندات المهمة، قبل أن تترك البيت، وتُقصف المنطقة بالأحزمة النارية.
تقول لـ"نوى": "لدي الكثير من الأثواب المطرزة. أمي كانت تطرز أثوابنا بيديها، وتزين جميع أركان المنزل بالوسائد واللوحات المطرزة، لكن هذا أغلاها على قلبي، فقد ارتديه بعد زفافي استقبالًا للزوار، وفيه رائحة أمي رحمها الله".
الخسارة -وفقًا لمرفت- ليست دائمًا مادية، هناك خسارة معنوية لا تشبهها خسارة. "فمن يجلب لي الأثواب التي طرزتها لي أمي؟ وتلك الحكايا التي كانت تتواصل لساعات، على أريكةٍ مريحة، وبرفقة فنجان قهوة".
بعدما نزَحَت مرفت من مدينة غزة إلى دير البلح وسط القطاع، لم تلبث كثيرًا حتى قررت المغادرة. سافَرت إلى مصر عبر معبر رفح قبل أن تقتحمه الدبابات الإسرائيلية وتغلقه بالكامل، وخرجت منه مرتديةً ثوب أمها المطرز، تتعالى على كل الجراح، وتشمُّ رائحة الحبيبة في كل خيطٍ يزيّنه، وتدعو لها بالرحمة ولغزة بالأمن والسلام والفرج.
ليست مرفت وحدها التي تتحسر على أثوابها المطرزة، فهنا خديجة محيسن. عمرها 70 عامًا، وهي معلمة للتطريز اليدوي منذ أكثر من خمسين عامًا قضتها في اتحاد كنائس قطاع غزة، "ماذا تقول وقد خسرت إرثها كله؟".
تحكي لـ"نوى": "درّبت الكثير من الفتيات والسيدات على التطريز، ورممنا معًا عشرات الأثواب التي كانت لجداتهن وأمهاتهن، وبعضها كان منذ ما قبل النكبة! صنعنا مئات الأثواب الجميلة، وكان مقر التدريب مزدحمٌ بالجمال. مطرّزات أينما ولّيت وجهك، كلها احترقت".
"ما لا يفهمه الاحتلال بعد كل تصرفاته الانتقامية والهمجية، أن أيادينا موجودة، وعقولنا أيضًا تحفظ تاريخ أجدادنا ولا تنساه"
تبكي السيدة بقهر، وتكمل: "الاحتلال أحرق كل ما في داخل مقر الاتحاد، وكل الأثواب صارت رمادًا، الأقمشة والخيوط أيضًا لم يعد لها أثر". تصمت قليلًا قبل أن تكمل: "لكن ما لا يفهمه الاحتلال بعد كل تصرفاته الانتقامية والهمجية، أن أيادينا موجودة، وعقولنا أيضًا تحفظ تاريخ أجدادنا ولا تنساه. هناك المئات ممن يُتقنَّ التطريز قادرات على إعادة صنع هذا التراث ومجده من جديد".
وتحكي أسيل الغرباوي "الاحتلال حرمني من أجمل مقتنياتي، أثوابي المطرزة، عندما أرغمني من النزوح قسرًا من بيتي، وتركي أخرج بما علي من ملابس، وبعض الأوراق الرسمية على أمل العودة القريبة".
وتقول: "لم أتمكن لسوء الحظ من أخذ أثوابي الفلسطينية، التي كانت تحمل الكثير من المعاني باختلافها وتمايزها، وكانت تقدم صورة مصغرة عن مبادئنا نحن الفلسطينيين".
وترتبط الأثواب المطرزة يدويًا بأشكال وألوان معينة، ارتباطًا وثيقًا بالهوية الثقافية للمرأة الفلسطينية، بينما تتميز كل امرأة بثوبها الذي -بالغالب- تطرزها بيديها، ووفق ذوقها الخاص، تبعًا للقرية أو المدينة التي تنحدر منها أصولها قبل نكبة عام 1948م.
"حرصت على اقتناء الأثواب المطرزة لسنوات طويلة. كل فترةٍ أشتري واحدًا. أضعه في الخزانة وأتباهى به بين صديقاتي"
تزيد الغرباوي، وهي تقلب صورًا لها وهي ترتدي أثوابًا مختلفة الأشكال والألوان في هاتفها المحمول: "أنا مهووسة تطريز. أشعر أن الفلسطينيات يتجذّرن في الأرض بواسطته، ولهذا حرصت على اقتناء الأثواب المطرزة لسنوات طويلة. كل شهر أو شهرين أو بضعة أشهر أشتري واحدًا. أضعه في الخزانة وأتباهى به بين صديقاتي وفي الحفلات والزيارات، وحتى المشاوير البسيطة".
وتكمل: "لدرجة أنني كنتُ أتساءل: لماذا لا تصبح هذه الأثواب زيّنا الرسمي في فلسطين؟ كما كانت في حياة جدّاتنا وأمهاتنا قديمًا"، متابعةً بحزنٍ شديد: "تركتُ كل أثوابي خلفي، كلها أحرقتها الصواريخ، وخسرتُها في غمضة عين".
اشترت أسيل بعد نزوحها إلى مدينة رفح ثوبًا "وبسعرٍ مضاعف". تعقب: "أشعر أنني هكذا قهرتُ الاحتلال وغظته".
لكن من يعرف أسيل، يعرف أنها لم تستلم يومًا للواقع مهما بلغت درجة عنفه وقسوته. لقد اشترت بعد نزوحها إلى مدينة رفح ثوبًا "وبسعرٍ مضاعف". تعقب: "أشعر أنني هكذا قهرتُ الاحتلال وغظته. يكفي أن لي صورًا قرب الخيام فيه، هذا وحده دليل ثباتٍ وتجذّر".
وقد تعرّض تاريخ الثوب الفلسطيني على مر العصور، لعمليات التزوير، والطمس سواءً بسرقته، أو بإقحام زخارف جديدة دون هوية، ولا تمت للتطريز الفلسطيني بصلة.
وحسب التقديرات، فقد أدّت العملية البرية الإسرائيلية إلى تدمير أكثر من 50 مركزًا نسائيًا للتطريز اليدوي، ومئات المشاريع الخاصة للمطرزات الفلسطينية في مدينتَي غزة وخان يونس جنوبي القطاع.
























