غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
بعد خمسة أشهرٍ من بدء العدوان على قطاع غزة، قررت رشا أبو قاسم، الهرب من شمالي القطاع باتجاه الجنوب، في محاولةٍ للنجاة من قلب المجاعة.
"إنه شيءٌ أقسى من مرض السرطان، ومن النزوح أيضًا. أن ترى أطفالك يتضورون جوعًا، وأصدقاء لهم يموتون بأمعاءٍ خاوية حرفيًا" تقول السيدة بانفعال.
وتزيد: "تأقلمنا مع كل الظروف تحت الاحتلال. مع الموت، ومع المرض، ومع البطالة، ومع الحصار، ومع كل فرص انعدام الحياة، لكن أخبرونا كيف يمكننا التأقلم مع الجوع؟ أخبروني".
كانت رشا تنام كل ليلةٍ وعلى وسادتها حلمٌ صغير. لمدة أربعة أشهرٍ حرفيًا، كانت تنام وترى في أحلامها حبة بندورة، صنعت منها معجزةً اسمها "شكشوكة" بينما الصواريخ تنهمر على رؤوس الأبرياء في الشمال!
"شاهدتُ جثث الناس أكوامًا مكدّسة، والكثير من الأطراف المبتورة، والمتناثرة"
بعد خمسة أشهرٍ من العذاب، ورحلات الموت بحثًا عن لقمةٍ لأطفالها، قررت النزوح. "ويا ليتني متُّ قبل هذا" تعقب.
خلال نزوحها، شاهدت الموت بكل أشكاله وفق ما تعبر، "شاهدتُ جثث الناس أكوامًا مكدّسة، والكثير من الأطراف المبتورة، والمتناثرة" تزيد.
اللحظة الحاسمة لاتخاذ القرار، كانت عندما بدأ أطفالها -على حد وصفها- يتجردون من لحم أجسادهم. "عظامٌ تمشي على أرجلها بترنُّح" تتابع، وتزيد: "نزحنا، وبعد ساعاتٍ من المشي بين زوايا الرعب وصلنا. استقبلنا الناس بالخبز، والمياه. لا تغيب عن ذاكرتي تلك اللحظات. أكلنا الخبز بعد خمسة أشهرٍ من الحرمان وأكل العلف، وشرب المياه الملوثة".
"كيف كانت ردة فعل الأطفال؟"، تجيب الأم: "أولادي أول ما شافوا البندورة صاروا يصرخوا: بندورة يمه هي البندورة، هي الخيار، بدنا منه يمّه اشتريلنا"، لكن هنا ترجم عجزها الدموع، فهي لم تكن تملك المال، ولم تستطع إلا تهدئتهم بقولها لهم: "بعدين يما، بعدين"، وهنا استدرك السائق الأمر -كما تخبرنا- فنزل من السيارة متجهًا إلى إحدى البسطات، واشترى لهم بضع حبات.
"تناولوها بشراهة" تكمل سرد المشهد، وتردف: "حتى الفواكه التي شاهدوها في تلك الفترة، كانت بالنسبة لهم غريبة! كانت المرة الأولى التي أرى فيها ضحكاتهم بعد شهور من الإبادة".
تفسّر: "في الشمال لم يكن هناك شيئًا متوفرًا، وفي الجنوب كانت هناك الكثير من الأشياء، لكن الفرق أن ليس لدي المال لشراء الموجود، بدءًا من الطحين الذي يحتاج إلى خميرة وإلى الحطب، وهذا كله يحتاج إلى المال"، مستطردةً بالقول: "لدرجة صرتُ أسأل نفسي: لماذا أتيت إلى هنا؟".
ولتناول الطعام بعد حرمانٍ طويل أثرٌ صحّي، ففي اليوم الأول أُجبرت العائلة على دخول المستشفى نتيجة تعب أصاب معدات الجميع بلا استثناء. تقول بعاميةٍ بسيطة: "ذقنا الخبز ورحنا عالمستشفى، معدتنا تعودت عالقِل، والمية اللي مش نظيفة، أكلنا أكل كويس وصرنا مرضى، وفي هديك اللحظة كرهت الجوع، وكرهت الشبع كمان".
في دير البلح، تجلس رشا اليوم. تبكي هذا الواقع الذي عاشه أطفالها دون وجه حق. قصفٌ وجوعٌ ودمٌ وموتٌ وأشلاء. تشعر أمام كل ما عاشته برفقتهم أنها جسدٌ بلا روح.
"على بساطة الحياة التي عشتُها طوال حياتي، أتمنى لو تعود. لحظة واحدة فقط من زمان هداة البال"
تعلق: "على بساطة الحياة التي عشتُها طوال حياتي، أتمنى لو تعود. لحظة واحدة فقط من زمان هداة البال، في منزلٍ يسترنا سقفه الصفيح، ونأمن فيه من برد الشتاء وحر الصيف. أمام مائدةٍ بسيطة تكفينا فلا ننام أبدًا جائعين. ومع أهلٍ يمكن أن تميل على كتفهم فيسندوك"، مختتمةً قصتها بأسى: "كل شي راح. كل شي".
























