شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 24 ابريل 2026م03:22 بتوقيت القدس

شعورٌ بـ"العجز" يقتل..

حربٌ و"أب".. وطفلٌ يطلب الحلوى!

08 مايو 2024 - 01:09

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

للحظةٍ أيقن وائل ماضي أن أولاده صاروا يخافون منه! يخشون من الاقتراب أو الحديث معه في أبسط الأمور. تقول زوجته بنبرة أسف: "بسبب عصبيته المفرطة".

يخبرنا الرجل الخمسيني، أنه لم يكن على هذه الحال قبل الحرب، بل إنه صار يضرب أطفاله على أقل الأشياء! "مثلًا لعدم قيامهم بمهام يومية غير اعتيادية ولا تتناسب مع أعمارهم الصغيرة، كالاصطفاف في طابور الخبز، أو تعبئة جالونات المياه"، متابعًا بقهر: "أتمنى لو أستطيع ضرب الواقع الذي نعيشه. أعرف أن ليس لهم ذنب لكن كل ما يحدث معي ليس بإرادتي".

ويعيش معظم الآباء والأمهات في قطاع غزة ضغطًا نفسيًا كبيرًا، جرّاء سوء الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، في ظل استمرار الحرب وطول أمدها، واكتظاظ البيوت ومخيمات النزوح مراكز الإيواء بالعائلات والأفراد، "وهذا كله يدفع بنا للانفجار أمام أقل المواقف" يعقب.

ويضيف: "نعيش في ظروف لا تتوفر فيها لنا حتى متطلبات العيش الكريم. لا مأكل ولا مشرب ولا مسكن ولا أمن، كل طاقتنا مهدورة على تعبئة المياه، أو شحن البطاريات والهواتف، أو التسوق لجلب قوت يومنا، ومن ثم العودة إلى المكان غير الصالح للحياة، والاستماع لمشكلات العائلة، وهنا تبدأ بتفريغ كل هذا الضغط بأطفالك دون التفكير بصحتهم النفسية".

"لا نقصد هذا بالتأكيد، ونعرف أنه ليس عادلًا فلا ذنب لهم في كل ضغوطنا، ولكن الإنسان طاقة، وطاقتنا نفذت"، يتابع الرجل بأسى.

نزح ماضي وعائلته المكونة من 7 أفراد من منزلهم بحي العامودي شمالي قطاع غزة، وتوجهوا إلى خيمةٍ بلاستيكية في محافظة رفح، في ظل دخلٍ لا يتجاوز "سلفة" من وظيفته الحكومية كل شهرين، لا تكفي لإعالة الصغار أو جلب احتياجاتهم.

يقول: "ما أحصله لا يتجاوز 800 شيكل، أخشى أخذ أحدٍ منهم معي إلى السوق كي لا يطلب مني ما لا أستطيع جلبه، باكيت إندومي أو بسكويت بالتمر. هنا تكون المعادلة صعبة، بين محاولة توفير الاحتياجات الأساسية، وتلبية طلباتهم".

لا يريد ماضي أن يجمّل الحقيقة، إنه يشعر "بالعجز" تجاه طلباتهم في ظل ارتفاع الأسعار، ويرى فيها رفاهية في ظل الاحتياج المطلق لأساسيات البقاء على قيد الحياة، "وهذا يدفعني في بعض الأحيان للبقاء في الطرقات حتى وقتٍ متأخر هربًا من كل الطلبات والضغوط والنظرات والشعور بالذنب" يزيد.

"الأب في حرب غزة يقاوم انهياراته. ويحاول مواجهة ضنك العيش بما يستطيع توفيره".

ويقول أمجد المصري (36 عامًا)، النازح قسرًا من مدينة خان يونس، وصولًا إلى حاصل يؤوي عشرات النازحين في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة: "الأب في حرب غزة يقاوم انهياراته. ويحاول مواجهة ضنك العيش بما يستطيع توفيره".

وفقًا له، فقد تحولت علاقته بأبنائه 180 درجة للأسوأ، بعدما كان الصديق الأنيس الملاذ. "لكن ضغوط الحرب يمكنها أن تصنع هذا الفارق. توفير احتياجات البقاء يضغط قلوبنا، فنضجر لأتفه سبب، ناهيك عن الشعور بالعجز تجاه الزوجة والأطفال الذين ينظرون إليك على أنك أمانهم".

ويعيل المصري 5 أفراد، بينهم أطفال. يعلق: "ينظرون لما يكون في أيدي الأطفال من بسكويت وحلوى لا أستطيع شراءها، فقد كنت عاملًا بسيطًا في مول، والآن أعيش على المساعدات".

عندما يبكي أحد أطفاله طلبًا لدجاجة، أو نوعٍ من أنواع الفواكه، يتمزق قلبه -هكذا يصف حاله- "فأنا غير قادر على جلبها أبدًا، فتجدني أختلق أي مشكلة، أصرخ وأغضب ثم أمضي" يكمل.

وحسب الأخصائية النفسية علياء أبو مريم، فإن عدم قدرة غالبية الآباء على تلبية احتياجات أطفالهم في هذه الحرب، وعدم خلق حوار ونقاش حول واقع الوضع الحالي على كافة الأصعدة، ولّد حالات عنف كبيرة جدًا.

عدم قدرة غالبية الآباء على تلبية احتياجات أطفالهم، وعدم خلق نقاش حول واقع الوضع الحالي، ولّد حالات عنف كبيرة جدًا.

وقالت: "هذا العنف تكوّن بسبب الشعور بالذنب لعدم القدرة على تحمل الأعباء الثقيلة، فيعبر الأب عن ذلك بصورة معاكسة وانفعالية، لا سيما عند الآباء الذين لا يتوفر لديهم دخل شهري ثابت، ويعتمدون على الأجرة اليومية في تدبير شؤون حياتهم"، مردفةً بالقول: "وحتى الآباء الذين كان لديهم دخلًا ثابتًا، وظروفهم المادية ممتازة، فقدوا كل ما يملكون في هذه الحرب، وعاشوا كغيرهم في مراكز الإيواء. هذه بطبيعة الحال ظروف صعبة لا يقوى عليها أحد".

الضغط الكبير على نفسية الآباء، أدى إلى أن يصبحوا غير قادرين على التعامل مع أنفسهم، ومع الكبار أمثالهم، فما بالكم بالتعامل مع الأطفال وطلباتهم واحتياجاتهم الكثيرة؟

تتابع: "هذا الشعور بالعجز تحول إلى عنف، وهذا العنف انتقل إلى الأطفال أنفسهم الذين باتوا يتشاجرون على أهون الأسباب نتيجة عدم توفير احتياجاتهم، وشعورهم بالإهمال من طرف الأب والأم"، ناصحةً الآباء والأمهات بضرورة التفكير مليًا بتصرفاتهم تجاه أطفالهم "فالحرب أمر واقع لا يمكننا رفضه، وليس أمامنا إلا التحكم بأنفسنا أمامه. لا نريد أن تنتهي الحرب فنبدأ حربًا أخرى لترميم أسرنا ونفسيات أطفالنا. العنف ليس حلًا، والحل فقط في شرح الوضع للأطفال الذين يفهمون جيدًا ما يمكن أن نحكيه لهم مهما بلغ من قسوة، ويفكرون فيه، ويتصرفون على أساسه، على عكس توقعاتنا تمامًا نحن الكبار".

كاريكاتـــــير