شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 24 ابريل 2026م01:39 بتوقيت القدس

بسبب الضغوط النفسية والاكتظاظ

"ضاقت".. "كركبة" في العلاقات داخل مخيمات النزوح

22 ابريل 2024 - 01:56

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

فتحت منى عينيها على صوت شجار. إنه صوت أمها يخترق صمت النيام، وعمّتها ترد. "ما الأمر؟" تساءلت الشابة، ثم اكتشفت أن الشجار على دور التنظيف.. "تنظيف مطبخ الخيمة أقصد" تقول بنبرة تهكم!

لقد أجبرت الحرب منى التي اكتفت بذكر اسمها الأول، على النزوح هي وعائلتها وعمومتها وأبنائهم إلى محافظة رفح، وإقامة خيام بلاستيكية على الحدود المصرية بالقرب من محور فيلاديفيا، وبرغم أن لكل عائلة خيمتها الخاصة، إلا أن العائلة الممتدة قررت إقامة خيمة واحدة يطبخ فيها الجميع طعامهم، وخيمة أخرى كمرحاض يستخدمه الكل.

تضيف: "هذا أدى إلى اشتعال المشكلات وتفاقمها في كل يوم أكثر من اليوم الذي سبقه. لقد ضاقت بنا الحياة. نعيش ضغطًا اجتماعيًا خطيرًا، وفجوات كبيرة في العلاقات مع الأقارب"، مردفةً: "وكل ذلك لأسباب صغيرة لكنها تبدو كبيرةً جدًا بالنسبة لأناس تركوا بيوتهم وأحياءهم وسياراتهم ومشاريعهم، وغدَوا نازحين في خيمة".

ومن المشكلات التي يمكن أن تتسبب بحربٍ ضروس بين الأقارب في الخيام -تكمل- أدوار التنظيف، ومن يحصل على كمية مياهٍ أكبر، ومن يستلم طرودًا غذائية قبل الآخر. "وما جعل الأمور تتفاقم في بعض الأحيان للصراخ العالي، وتدخل الجيران للفكّ بين أطراف المشكلة، هو طول أمد الحرب (..) كان من الممكن تدارك الشرخ في العلاقات الاجتماعية لدى البعض لو كان مدى الحرب أقصر، لكن الآن صارت هذه حياتنا، وهنا بات من غير المعقول ترك البعض يتمادون في أذاهم -هكذا يفكر الجميع".

وقد أدى اكتظاظ بعض الخيام بالعائلات التي استضافت بعضها، إلى نشوب العديد من الخلافات نتيجة سوء الفهم، أو تراكم المواقف، أو حتى التحسس من مواقف سبقت وقوع الحرب أصلًا، "ناهيكم عن تفرّغ الرجال الكامل، وتوقف عجلة روتينهم اليومي حيث لا عمل ولا شيء يشغل فراغهم، وهذا سبب كافٍ لزيادة المشكلات نتيجة الضغط النفسي الذي يمرون به، وزيادة الأعباء، والخوف على أفراد عوائلهم من الضربات الجوية وسياسة التجويع المستمرة" تزيد.

وتخبرنا منى بأن الكثير من المشكلات حدثت بين أعمامها بسبب سوء الفهم. هذا يريد أن يرد لذاك كلمةً قالها له، وذاك يريد أن يعلم الآخر الأدب ويفرض نفسه عليه كونه الأخ الأكبر وهكذا.. تردف: "ونتيجة انعدام خصوصية الحوار، وتدخلات الآخرين، تكاد الخيام تشتعل بمشاكل الأزواج، التي يتعدى بعضها الصراخ والمشادات إلى العنف اللفظي والجسدي أيضًا".

تقول مرفت (35 عامًا) لـ"نوى": "أعيش في خيمة مع زوجي وأطفالي وحماتي وبناتها، وعند النقاش على أي مشكلة مهما كانت بسيطة يبدأن برفع أصواتهن انتصارًا لزوجي، وفرضًا لما يريده ويردنه وهذا يدفعني للسكوت خشية أن تخرج المشكلة عن نطاق السيطرة فتصبح سيرتنا على كل لسان في المخيم".

تعقب: "هذا أرهقني نفسيًا، وولّد بداخلي طاقة سلبية كبيرة، فقد أصبحت أضرب أطفالي الصغار دون ذنب بشكل مستمر، ولا أجد أفقًا للحل. هل أبقى صامتة وأتنازل عن حقي في التعبير عن ما في داخلي في كل مرة، أم أثور لأضع حدًا لكل ما يؤذيني. لا الوضع ولا المكان ولا طبيعة الحياة تسمح بذلك، وهذا يدفعني نحو الخيار الأول في الحقيقة".

القاضي أبو نضال شلط من محافظة النصيرات، أكّد تدخله لحل الكثير من المشكلات والقضايا الشائكة بين الناس في أماكن نزوحهم، منذ بدء الحرب على قطاع غزة في السابع من أكتوبر الماضي.

وقال: "الضغط النفسي كبير. الخسارة فادحة، المال قليل، والأسعار عالية جدًا مقارنة بالمتوفر، الأعباء كثيرة، والأمراض أكثر، لا ماء ولا كهرباء ولا راحة ولا تعليم. كل هذا خلق حالةً من التعب والإنهاك والتيه والاضطراب لدى أفراد العائلات الفلسطينية النازحة بغزة، الذين حمل بعضهم مشكلاتهم العائلية السابقة معهم أصلًا، ووجدوا في المخيم وقتًا كافيًا لتحليلها وأحيانًا للانتقام من الطرف الآخر فيها".

ووفق منى موسى، أخصائية علم النفس لدى جمعية "عائشة" لحماية المرأة والطفل، فإن مشكلات اجتماعية عديدة يتم استقبالها من المواطنين على الخط المجاني التابع للجمعية، وعبر خمس خيام موجودة داخل محافظة رفح.

وتطرقت إلى مسألة ارتفاع أسعار السجائر، التي دفعت بالمدخنين إلى تفريغ غضبهم غالبًا بزوجاتهم وأخواتهم وأمهاتهم، عبر الصراخ، والتعنيف مختلف الأشكال، "كما أن هناك الكثير من المشكلات التي يمكن أن تحدث بين النساء، ويتدخل بها الرجال أيضًا، وقد تكون على أدوار التنظيف، أو استعارة الأشياء وعدم إرجاعها، أو بسبب مشكلات بين الأطفال في الخيام المتجاورة" تقول.

وتضيف: "نقدم عمليات إسعاف نفسي أولي للفئات المتضررة، التي تكون غالبًا من النساء، ونوجهها لكيفية التعامل عند مواجهة هذا النوع من المشكلات"، مبينةً أنه وبرغم حل الكثير من المشكلات إلا أن الصفة الغالبة للعلاقات لدى أصحابها هي التفكك. متفككة للغاية، وقد تحتاج إلى سنوات طويلة لإعادة تجميعها".

كاريكاتـــــير