غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"دفنوا قلبي لما سكروا عليهم القبر" قالتها وبكت. رانيا أبو عنزة، أم التوأمين نعيم ووسام، التي انتظرتهما عُمرًا من الدعاء والأمل والتمنّي، فقدتهما في غمضة عين تحت أنقاض منزلها في مدينة رفح جنوبي قطاع غزة.
بعد عقدٍ من الزواج، ومحاولاتٍ مريرةٍ للإنجاب، رأت رانيا طفليها في حضنها بصحةٍ وسلامة، وبكت يوم ولدتهما فرحًا، بنفس القدر الذي بكت فيه يوم استشهادهما قهرًا. هي لا تصدق أنها لن تراهما من جديد، وقد توقف الوقت عندها -كما تُعبّر- عندما باغتهم صاروخٌ منتصف ليلة الثاني من آذار/مارس الماضي، ارتقى على إثره 23 شهيدًا بينهم زوجها وتوأميها الحبيبين.
تروي الحكاية، وبالكاد تستطيع تجميع كلماتها: "نمنا أربعتنا بجوار بعضنا البعض. كان زوجي يقول دائمًا: إذا متنا نموت معًا، ولا يتحسّر أحدنا على الآخر". تمسح دموعها المنهمرة وتكمل: "ها هم تركوني وحيدة. لماذا لم يأخذوني معهم؟".
تذكر آخر لحظات ذلك اليوم معهم، حين أيقظها زوجها تمام العاشرة ليلًا لترضع ابنها. تقول: "أرضعته ثم عدتُ للنوم، ولم أصحُ إلا وأنا تحت الركام. لم أسمع صوت القصف، ولا صوت الطيران. سمعت فقط صوت الحجارة تنهمر فوق رأسي وجسدي".
طوال الوقت تحت الردم، كانت تصرخ بعد أن بصقت رمادًا حُشر في حلقها "أنا هيني موجودة. أنا زوجة وسام طلعوني. طلعو ولادي". كانت تصرخ طوال الوقت على الجيران لينقذوها، وبالفعل خرجت مغشيًا عليها، ولم تستيقظ إلا في مستشفى أبو يوسف النجار بعد أن كانت تصرخ طوال الوقت باسم طفليها.
تضيف: "أخبروني أنهما في غرفة العمليات. كنت أدعو الله وأبكي: يا رب خليلي واحد، راضية يا رب، المهم يضل إلي سند في هالدنيا، وكان كل من يسمعني يبكي، لأنه كان يعرف أن هذا الرجاء لن يتحقق".
خرجت رانيا من المستشفى بوضعٍ صحي جيد لكن دون طفليها وزوجها، وبقيت تصارع للسؤال عنهم لساعتين كاملتين حتى تمكن أحد أقاربها من إخبارها. تصف المشهد: "حكالي كلهم راحوا، زوجك وولادك وجدتهم. لا أعرف ماذا حدث لي وقتذاك، وكأنني كنتُ متهيأة لسماع الخبر، لم أتفوه سوى بـ(الحمدلله)، وبقيت لنصف ساعة دون أن أتفوه بكلمة، ثم انهمرت دموعي مرةً واحدة وانفجرت بالبكاء".
تمام الخامسة فجرًا، ذهبت رانيا إلى المستشفى لتلقي نظرة الوداع الأخيرة عليهم. تخبرنا: "لقيتهم مرصوصين على الأرض ومغطيين بالأكفان، وما عرفت أودّع مين ولا مين؟ صرت أجري على أولادي. حضنتهم وبوستهم، بعدين ودعت زوجي. يا الله ما أحلى ريحته كانت".
حتى المحطة الأخيرة "المقبرة"، كانت رانيا حاضرة. رأت توأميها ورفيق دربها معًا تحت التراب، وبكت. تقول: "صلوا عليهم داخل المستشفى، وعند القبر لم يسمحوا لي بوضع التوأمين في القبر بيدي. توسلت إليهم أن يضعانهما في حضن والديهما، وبالفعل، كلهم دفنوا في مقبرةٍ جماعية".
"كيف تعيش رانيا اليوم؟" إنها لا تتوقف عن الدعاء بأن يجعل الله لقاءها بهم قريبًا. تقول: "مهما شرحت لكم شوقي لن أستطيع وصف ما أشعر به. نفسي أحضُنهم، وأشوفهم، وأشم ريحتهم الطيبة. لا حياة بدونهم أبدًا".
تبكي رانيا وتتمتم: "روحتي يا ماما يا سوسو؟ روحت يا أبو الورد؟ مين حيناديني ماما بعد اليوم؟ شو ذنبي أنحرم منهم أنا؟".
وجدت رانيا تحت الركام بضع قطعٍ من الملابس لولديها وزوجها، تقول إنها كلما اشتاقت إليهم تحضنها وتشم رائحتهم فيها. "تلك القطع في حقيبتي طوال الوقت، وخاتم زوجي لا يفارقني أبدًا" تزيد.
طوال شهر رمضان الأخير، كانت رانيا تبكي طوال الوقت. كانت تشتهي أن تقضي شهر الصيام برفقتهم وتدعو الله لهم قبل كل إفطار أن يحفظهم ويحميهم، ففي رمضان من العام الماضي كانت حاملًا، وكانت لأول مرة تسمع صوت نبضيهما، "ويا الله ما أحلى الشعور" تقول. وتتابع: "كنت في ذلك الوقت أقول لزوجي وأضحك: ان شاء الله رمضان الجاي بيكونو معنا، ويا الله. جاء رمضان ومرّا قبل أن يأتي رمضانهما الأول وهما على وجه الأرض".
بعد 11 عامًا، وثلاث محاولات زراعة أجنة، نجحت عملية زراعة وسام ونعيم، بتبرعٍ من فاعل خير، وأدويةٍ كثيرةٍ جدًا تلقّتها رانيا من بينها (20 إبرةً يوميًا)! وحين بدأت الحرب كانت في الشهر الثامن، تألّمت كثيرًا عندما أنجبتهما، ولم تكن تعرف أنه سيأتي اليوم وتفقدهما فيه معًا، ومعهما شقيق الروح وحبيب القلب زوجها.
تعقب: "كنت أخطط للاحتفال بولادتهما بعد أن تضع الحرب أوزارها، وأن أوزع الحلوى، وأذبح العقيقة رغم ظروفي الاقتصادية الصعبة، لكن الحرب قتلت كل شيء. قتلت الحلم والأمنيات والطفلين ووالدهما أيضًا".
لا أمنيات اليوم لدى رانيا إلا واحدة "نفسي بس أقدر أوفي نذر زوجي وأعمل عمرة عن روحه" تختم.
























