شبكة نوى، فلسطينيات: يروي أحد الناجين من مجزرة مستشفى الشفاء لـ"نوى" مشهدًا لا تستطيع ذاكرته النجاة منه حتى الآن. يقول: "أطلقوا النار على شاب جريح وبرفقته فتاة، ثم دهسوا جثتيهما تحت جنازير الدبابة، ولم يتبقَّ من هيكلهما سوى القدمين".
كان الشاهد الذي رفض ذكر اسمه خشية الملاحقة، ينظر حينها خفيةً من خلف شباك قسم الثلاسيميا داخل المستشفى، ليرصد مشاهد الإعدامات الميدانية التي نفذتها قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق النازحين المتواجدين في باحاته.
تحديدًا، في ليلة الثامن عشر من مارس 2024، حاصرت قوات الاحتلال المستشفى تحت غطاء من الأحزمة النارية والقصف العشوائي العنيف، وإطلاقٍ كثيفٍ للنيران من طائرات "كواد كابتر" التي كانت تستهدف كل جسمٍ يتحرك.
يخبرنا: "كنا 4 شبان، وكل من معنا نساء وأطفال. استيقظنا الساعة الثانية والنصف على أصوات القصف، ثم بدأنا نسمع طائرة الكواد كابتر وهي تنادي "المكان بأكمله محاصر"، داعيةً الجميع لعدم التحرك من أماكنهم.
يضيف: "لم نجرؤ حتى على النظر من الشبابيك خشية إطلاق النار الذي كان متواصلًا في الخارج، ثم سمعنا صوت جنازير الدبابات".
في تلك اللحظات، انتشرت الدبابات الإسرائيلية بشكلٍ كثيفٍ داخل ساحة المستشفى، وبقيت مدفعياتها تدور حول الأقسام والمباني المحيطة، "ثم بدأت بإطلاق النار والقنابل صوبها بشكلٍ كثيف".
يتابع: "اشتعلت النيران داخل مبنى الجراحة التخصصي، القبور المؤقتة التي دفن فيها شهداء من قبل كلها جُرفت وسُويت بالتراب. كل سيارات الصحفيين دُهست ووُضِعت جانبًا، وكل خمس دقائق أو ما يزيد تتعمد الآليات ضرب مدفعياتها بحوائط الأقسام لتثير الذعر والخوف بين النازحين والمرضى هناك".
في غضون ذلك، استمر الطيران بتدمير البيوت المحيطة بـ"الشفاء". غبار الصواريخ والركام امتد إلى داخل الغرف، "وكنا نكتُم سعالنا واختناقنا من الدخان حتى لا يشعر بوجودنا الجنود ويقلتوننا. كرميد المستشفى وقع علينا والشبابيك انفجرت، مما أدى إلى إصابة بعض النازحين بالشظايا" يقول.
في اليوم التالي، حدث الذي لم يتوقعه النازحون داخل المستشفى. لقد تفشى الجوع بينهم، ولم يكن لديهم الماء الكافي للشرب، يعقب: "كنا نعتمد في إفطارنا على تكيات أهل الخير، وليلتها لم نجد شيئًا نتسحر به. في القسم الذي كنا فيه وجدنا 4 لترات من الماء اقتسمناها جميعًا، في تلك اللحظات لم نكن نعرف موعد أذان المغرب، ولأن الخوف سيطر علينا لم نعد نفكر بالفطور أصلًا".
ويخبرنا: "في اليوم الثالث، المياه نفدت كليًا، ولم يتبقَّ معنا إلا ربع لتر اضطررنا لتركه من أجل الأطفال الرضع. اقترحت النساء كتابة ورقة بنص (نحن نموت جوعًا)، وتقديمها للجنود، لكننا رفضنا خوفًا من رد فعل الجنود آنذاك".
بعبارةٍ سيئة، ولا أخلاقية، بدأ الجنود ينادون على النازحين الرجال عبر مكبرات الصوت ليخرجوا إليهم رافعين الرايات البيضاء: "تخليش غيرك يتجوز مرتك". في تلك اللحظات بدأ الرجال بالخروج، لكنهم اعتقلوا جميعًا، ونُكِّل بهم، ونعتوا بألفاظٍ نابية وبذيئة.
ووفق شهادته يضيف: "أجبرونا على خلع ملابسنا والبقاء عراة تحت المطر. أعدموا بعضنا، وعندما حاول البعض الآخر الهرب، أطلقوا النار نحوهم ثم دهسوهم بالدبابة أكثر من مرةٍ عمدًا (..) من هول المشهد لم أصدّق أن شخصًا كان هنا وتناثرت جثته وبقي مكانه الدم فقط".
ويقول: "ضربوني ببساطيرهم، وأمر الضابط باعتقالي، وعندما رفضت سحبني إلى إحدى بوابات المستشفى، وكان يتواجد هناك أكثر من 70 شابًا عراة. انتشر الجنود حولنا، وكأنهم يحاولون التخفي، نعم بهذا الأسلوب الوحشي استخدمنا الجنود دروعًا بشرية، ثم أجبرونا على النزوح عن طريق شارع الرشيد باتجاه جنوبي قطاع غزة".
رنا أيضًا رفضت ذكر اسم عائلتها، خشية عقاب زوجها الذي حوصر في المستشفى ولا تعرف عنه شيئًا حتى اللحظة. تقول: "وصلتني رسالة منه تمام الثانية ونصف ليلًا، قال لي فيها (ديري بالك على حالك وعلى الأولاد. احنا محاصرين ادعولنا)".
وبمنتهى الاستهتار واللا احترام، كانوا ينادون على الرجال والشبان كما لو كانوا أطفالًا: "يلا بدنا نلعب الغميضة، والشاطر فيكم اللي بيسمع الكلام". هنا خرج بعض الرجال، فأجبروهم على خلع ملابسهم، والبقاء لساعات طويلة في ساحة المشفى عرايا، ثم اعتقلوهم ونقلوهم إلى جهةٍ غير معلومة، هذا ما أخبر به ناجون رنا.
في اليوم التالي -تضيف- اتصل بها من رقم مختلف، ففرحت كثيرًا وظنت أنه نجا، لكنه أخبرها أنه ما زال محاصرًا، ومنذ تلك اللحظة لم تسمع صوته.
وفق بعض ما أخبرها به، فقد أعدم الجنود كل شخصٍ لم يخرج لساحة المشفى، والذين خرجوا استخدموا بعضهم كدروعٍ بشرية، وعصبوا أعينهم وألقوهم داخل شاحنة الاعتقال.
تخبرنا أميرة وليد، الناجية من المجزرة، أن جنود الاحتلال أعدموا شابًا كان يقف إلى جوارها فقط لأنه نظر من النافذة! "لقد رأيت دمه، ونزف حتى آخر نفَس ولم أستطع إنقاذه" تضيف.
وتزيد: "شاهدتُ جثثًا دهستها الدبابات وأصبحت رمادًا، وأخرى نهشتها القطط، لكن الجرحى وضعهم كان أسوء حالًا فقد تُركوا غارقين بدمائهم، ولم يجرؤ أحد على إنقاذهم".
أجبر جنود الاحتلال أميرة على الوقوف أكثر من 20 ساعة متواصلة في الطابور لإخضاعها للتحقيق، تقول: "خرجت من القسم أمسك بأطفالي. كنتُ أبكي من شدة خوفي، لقد نعتوني بألفاظ بذيئة وشتموني، ثم أمروني بالمشي بخط مستقيم مع بقيّة النسوة، وعدم الالتفات يمينًا أو يسارًا، ثم التوجه إلى جنوبي القطاع. وهنا نحن ذا هنا، لا نعرف ماذا حدث هناك سوى ما نقله الإعلام. أسأل الله أن يكون كل من عرفتهم هناك بخير، وليرحم الله الشهداء ويشفي الجرحى".
























