شبكة نوى، فلسطينيات: غزة :
يتنقل المواطن مسعود أبو عيشة بين طوابير السيارات المستعملة في سوق السيارات جنوبي مدينة غزة، لعله يجد ضالته بالعثور على مركبة تساعده بالحصول على مصدر دخلٍ لأسرته المكونة من 6 أفراد.
ويعج سوق السيارات المستعملة، الذي يفتح أبوابه يومي السبت والثلاثاء من كل أسبوع، بمئات الباعة والمشترين الذين يأتونه من كافة أنحاء القطاع، لمعاينة كمٍ كبيرٍ من المركبات القديمة والمستعملة، لعلهم يجدون ضالتهم، فيقتنون سيارات رخيصة الثمن تناسب احتياجاتهم، إلا أن هذه الزحمة لا تفتعل عادةً حركة شرائية واضحة بسبب ارتفاع أسعارها، رغم سماح حكومة الاحتلال بإدخال السيارات الحديثة.
في نهاية جولة بسيطة بين السيارات، انتابت أبو عيشة حالة من اليأس، عندما لم يجد سيارة جيدة بسعر مناسب، وهمّ بالرحيل مع نيته بالعودة مرة أخرى الأسبوع القادم، لعله يجد ما يناسب قدرته الشرائية.
يقول لـ"نوى": "السيارات المستعملة لا تزال متمسكة بسعرها المرتفع، وهذا الأمر يسبب حالة جمود بين المشترين في هذا السوق"، مشيرًا إلى أنه يأتي إلى هذا السوق بشكل أسبوعي دون أن يجد السيارة التي تناسب إمكانياته المادية".
ويؤكد العديد من المواطنين أن ارتفاع أسعار السيارات المستعملة، يجعلهم يترددون مليًا في شراء إحداها، بسبب آمالهم في أن يتم إدخال سيارات مستعملة من دولة الاحتلال، إذ من شأن ذلك أن يغير المعادلة برمتها.
ويواجه سكان قطاع غزة ارتفاعًا غير اعتياديٍ بأسعار السيارات الحديثة المستوردة، بسبب الضرائب التي تفرضها حكومتي الضفة الغربية وقطاع غزة على السيارات المستوردة.
ففي فبراير الماضي أدت أزمة احتجاز حكومة غزة للسيارات المستوردة عبر معبر كرم أبو سالم، وعدم الإفراج عنها لمستورديها من تجار السيارات قبل دفع جمارك جديدة بقيمة 12.5% من قيمة السيارة، إلى تهديد "نقابة مستوردي المركبات" في القطاع بالإضراب وإغلاق المعارض. الأزمة انتهت باتفاق بين الوزارة والنقابة يقضي بفرض ضريبة بين 400 و1200 دولار على السيارة الواحدة.
ويصف المواطن "رائد جربوع"، الحركة الشرائية ومؤشر الطلب في سوق السيارات بأنه "تعبان وغير مجدي"، مرجعًا السبب إلى عدم توفر السيولة لدى المواطنين، وارتفاع أسعار السيارات مقارنةً بـ"صحتها العامة".
ويقول لـ"نوى": "السيارات الحديثة المستوردة التي تدخل القطاع. لم تسهم في خفض أسعار السيارات المستعملة"، معربًا عن أمله في أن تسمح دولة الاحتلال بإدخال السيارات المستعملة إلى قطاع غزة.
وكانت صحيفة "ذا ماركر" الاقتصادية العبرية كشفت، في 30 يوليو الماضي، النقاب عن وجود موافقة إسرائيلية قريبة للسماح بإدخال المركبات المستعملة لقطاع غزة، وذلك ضمن خطة لتخفيف الحصار المفروض على القطاع منذ العام 2007م.
إلا أن وزارة النقل والمواصلات بغزة أكدت في بيانٍ لها، أنها لن تسمح بشراء مركباتٍ مستعملة مدفوعة الجمارك من الجانب الإسرائيلي؛ لمخالفة ذلك للقوانين والأنظمة الفلسطينية.
وقالت الوزارة في بيانها: "إن قرار منع شراء المركبات مدفوعة الجمارك من الجانب الإسرائيلي بدأ العمل به منذ أواسط عام 1997م وما زال ساريًا، إذ أن الأراضي الفلسطينية والجانب الآخر يخضعان لمنطقة غلاف جمركي واحد، كما أن الجانب الإسرائيلي يرفض تحويل جمارك المركبات إلى الخزينة الفلسطينية في حال شراء مركبة إسرائيلية مدفوعة الجمارك".
ويحاول "أبو محمد صقر" بيع سيارته وهي من نوع "كيا" موديل 2012م، بسعر يجعله قادرًا على شراء أخرى من نوع آخر، لكن ذات موديل أحدث.
يقول لـ"نوى": "صحيح أنني اشتريت سيارتي قبل 7 أعوام بـ14 ألف دولار، إلا أنني أعرضها اليوم بسعر 13 ألفًا ونصف الألف، نظرًا لغلاء أسعار السيارات المستعملة".
وأوضح أن المشترين لم يقدروا سيارته بأكثر من 11 ألفًا، وهذا الأمر لا يمنحه فرصةً لبيعها.
وأضاف: "الناس عامةً في سوق السيارات تكتفي بالسؤال ولا تشتري، إلا إذا كانت الفرصة نادرة ولا تفوت"، منوهًا إلى أن سعر سيارته سينخفض مع دخول سيارات مستعملة إلى القطاع.
فيما يرى ميكانيكي السيارات "إسماعيل القطاوي"، الذي كان يتجول في سوق السيارات كغيره من المواطنين، أن الكثير من المركبات المعروضة في هذا السوق، غير صالحة للاستعمال ولم يعد لها أي فائدة إلا بتفكيك قطع غيارها واستخدامها في سيارات أصلح حالًا.
وأرجع ذلك إلى عدم دخول سيارات مستعملة من "إسرائيل" إلى قطاع غزة، فضلًا عن عدم توفر قطع الغيار الخاصة بها لقدم موديلاتها.
وأوضح أن إدخال السيارات المستعملة من "إسرائيل" سيغير المعادلة، ويصنع رواجًا مقبولاً لها، مؤكداً أن المواطنين يتخوفون من شراء السيارات، أملًا في أن يزيد العرض فتقل الأسعار.
ويقول مدير العلاقات العامة في وزارة النقل والمواصلات بغزة أنيس عرفات: "إن أسبابًا اقتصادية وسياسية واجتماعية؛ أثّرت على مدار الأعوام الماضية في رفع أسعار السيارات الحديثة والمستعملة في قطاع غزة".
أهمها -وفقًا له- ارتفاع قيمة الضرائب والجمارك المفروضة على استيراد السيارات، "إذ تفرض الحكومة الفلسطينية في رام الله ضريبة 75% من قيمة المركبة، بالإضافة إلى فرض السلطات بغزة رسومًا بقيمة تترواح ما بين 400 و1200 دولار "حسب قوة المحرك" كرسوم تعلية.
وبيّن أن احتكار بعض تجار السيارات لأنواع محددة من السيارات التي لا يستوردها أحد سواهم، ساهم في رفع أسعارها كشكلٍ من أشكال السيطرة على السوق المحلي.
وبينما أشار عرفات إلى أن ما بين 300 إلى 350 سيارة، ما بين حديثة ومستخدمة (3 سنوات أو أقل) تدخل قطاع غزة أسبوعيًا، نوه إلى أن ارتفاع الطلب على السيارات زاد من أسعارها أيضًا، إذ أن الفقر والبطالة ساهما في زيادة توجه المواطنين لشراء المركبات الملاكي؛ لتشغيلها من أجل توفير مصدر رزق.
كما بيّن أن الحكومة في رام الله، لا تسمح بإدخال "سيارات عمومي" إلى قطاع غزة منذ عام 2007، مشيرًا إلى أن السماح بإدخال هذا النوع من السيارات سيزيد من المعروض في السوق من السيارات، وهذا سيساهم في خفض أسعارها بشكل عام.
إلى جانب هذه الأسباب الداخلية لارتفاع أسعار السيارات، أشار عرفات إلى وجود أسباب خارجية أيضًا تتمثل بالحرب الروسية الأوكرانية التي زادت من تكلفة صناعة السيارات في أوروبا، وتفشي وباء كورونا، الذي أثر على الحركة التجارية العالمية برمتها.
























