قطاع غزة:
يقال "لكل شخص من اسمه نصيب"، وهي اسمها مُكرّم. "أمٌ تستحق لقب المثالية"، هكذا يقول كل من سمع قصتها. نجاحٌ بنكهةٍ مختلفة، ومسيرة تعليمٍ في دربٍ مُلغّمٍ بالظروف القاسيةِ القاهرة. قصةٌ جعلَت كلَّ من سمعها يبكي ويتحسس قلبه، ثم يحمد الله على ما هو عليه حاله.
وقفت مُكرّم عوض بثباتٍ، وبدأت تسرد الحكاية على خشبة مسرح الجامعة الإسلامية في حفل التخرج. لم يكن اختيارها صدفة، فالقائمون على الحفل أدركوا كم تستحق قصتها أن تُروى لأجيالٍ أخرى قادمة. كعبرةٍ لمن يتذرّع بالظروف تحت عنوان الفشل. أن تُحكى لعشرات النساء اللاتي يحتجن دفعةً فقط للنهوض بأنفسهن من جديد مهما امتدَّ بهن العمر، أو أحاط بهن القهر.
تقول إنها تفوقت بالثانوية العامة، فحصلت على منحةٍ كاملةٍ لدراسة تخصص أصول الدين في الجامعة الإسلامية مع مصروفٍ شخصي، ففعلتها، وتخرّجت بتفوّق، لكنها تزوّجت، ولم تجد فرصة عملٍ يا للأسف. أنجبت ستةً من البنين والبنات، قدمّت لهم "ضي العين" كما تعبّر، ثم ما لبثوا أن صاروا خمسة! ابنها الأكبر مرض فجأة، وفي المشفى قضى بخطـأٍ طبّي فجأة!

هذا الفاصل "القاسي" في حياتها، كان نقطة البداية. أن تفقد عزيزًا على قلبها بخطأٍ لم يكن في الحسبان، كان يعني أن عليها أن تتحرك. لقد قضى خطأ طبي على حياة فلذة كبدها بين ليلةٍ وضحاها، فلم تجد نفسها إلا وهي تردد بين الفينة والأخرى: يا ليتني درست الطب. يا ليتني درستُ التمريض. يا ليتني أصبحتُ حكيمة، ويا ليت للأمنيات أن تعيد المفقود! هنا استملكتها الفكرة، "دراسة تخصصٍ طبي يضمد جراح قلبها بنصرة أطفالٍ آخرين يحتاجون من لا يوقعهم بنفس المصير بالخطأ".
كانت الظروف المادية صعبة. سنواتٌ مرت بعدها والفكرة تحكم سيطرتها على قلبها وعقلها، فلما تحسن الوضع قليلًا، ساقها تيسير الله لدراسة التمريض، "فإن ذهب عمرو، يجب ألا يذهب آخرون"!
في السنة الثانية لدراسة التخصص الجديد، كانت مكرم تدرس وتُدرِّس، وتحرص كل الحرص على تفوق أبنائها أيضًا. كلهم لم تنقص معدلاتهم عن 99%، وهذا وحده كان يحدوها للفخر، والتأكد بأنها تمضي في الطريق السليم، حتى جاء ذلك اليوم الآخر.. يومٌ أخيرٌ جمعها بقرّة العين، وآخر عنقود الصبية محمد.
قال لها: "ماما بدي أفرحك، حصلتُ على علامةٍ كاملةٍ باللغة العربية"، ويومها لم تتمالك دموعها من الفرح. في اليوم التالي كان امتحان الحساب. كانت تُدرّسه على طاولةٍ واحدة عندما ضربت الصدمة قلبها، وأسقطت ورقة توتٍ جديدةٍ من شجرته اليافعة.
أصيب الطفل بسكتةٍ قلبية، توفي محمد حبيب أمه. ألمٌ جديد. كارثةٌ جديدة. "يا موت، ألم تشبع من أكبرهم جئت لتنتزع مني أصغرهم؟ يا موت رأفة بي وبقلبي وبقلب توأمه ميار!".
تقول: "بكيت وبكيت وبكيت. أنا أمام أمرين أحلاهما مر، هل أكمل تخصصي؟ أم أضمد جرحي وجرح أطفالي بوفاة محمد؟ بالأخص ميار، لقد مرت بفترةٍ عصيبةٍ للغاية".
لأشهر، لم تُرد ميار أن يجلس بجانبها أحد في الفصل، فظلَّ مكانه ثابتًا لروحها معه. أنهت عامها الدراسي بمعدل لم يقل عن 99 بالمئة، هي وكل أخوتها، "وحتى شهادة محمد جاءت إلي في آخر العام بتقدير متميّز" تعقب وهي تبكي.
تقف مكرم اليوم خريجةً من كلية التمريض، لم تنل من عزيمتها كل الظروف المأساوية التي ضربت قلبها، وأزّمت مشوارها العلمي، ضغطت على جراحها ونهضت بأطفالها، وبمشروع دراستها، حتى تخرجت بتقدير متفوق.. لتقف على المنصة، وتحكي الحكاية لكل من يتذرّع بظرفٍ أو عقبة في طريق النجاح: "ها أنا وهذه قصتي.. ها هو حزني في جيب القلب أخبئه، وأمضي لأخدم وطني ومجتمعي طالما في العمر بقية".
























