قطاع غزة:
"لا أذكر كيف كانت لحظة الهروب. لم أستوعب ما يحدث، شاهدت الناس تركض فركضت". يتابع محمد الشيخ: "رأيت جثث الناس تملأ الشوارع، قفزتُ من فوقها، ورددت الشهادة ألف مرة، ثم استسلمت لفكرة الخلاص من هذا الجحيم بالموت".
تبدو ذاكرة الناس في قطاع غزة منهكة. مثقلةٌ بصور الموت، والنزوح، والصواريخ، والقذائف. ممتلئة بمشاهد مأساوية تأبى الانفصال عنهم، ولا ينفصلون هم عنها مرغمين. يخشون من طرقة باب مفزعة تنذرهم بالإخلاء، فيستعدون مع أول انفجار. يستعدون نفسيًا لأن يُعيد سيناريو الموت نفسه، كما يحدث مع "محمد" الذي نجا من "المجزرة السوداء" برفح.
في الأول من آب/أغسطس عام 2014، ارتكبت "إسرائيل" مجزرة رفح، أو ما يعرف إعلاميًا باسم "الجمعة السوداء"، خلال عدوانها على قطاع غزة.. كانت حدودها منطقة "أبو الروس" التي تقع شرقي المدينة، وأسفرت حينها عن استشهاد 140فلسطينيًا، بينهم نحو 75 طفلًا وطفلة، وإصابة أكثر من 1000 آخرين، إلى جانب تدمير المنطقة بأكملها.
يتحدث محمد عن المجزرة فيقول: "في ذلك اليوم بدت الطريق طويلة وغير معروفة بالنسبة لي. أمشي إلى حيث يسير الناجون، وأحدث نفسي بأنهم ربما يعرفون مكانًا أكثر أمانًا. مشيتُ كثيرًا حتى وقعت على الأرض في زقاقٍ ظننته آمنًا حتى وصلني حمو صاروخ سقط على عربة "تكتك"، كانت تحمل نساءً ومدنيين. ساعدتُ من استطعت منهم وحاولت الفرار معهم إلى خارج المنطقة".
كلما تمر ذكرى المجزرة، يتحسس محمد جسده. يظن أن أجزاءً من أشلاء الناس التصقت به، ويتحسس قلبه ليتأكد من أنه ينبض. لفترةٍ ليست بالبسيطة بقي يظنُّ أنه يحيا بدونه، بعدما خُيّل له أنه انتُزع عند تلك اللحظة من "الحياة".
قبل وقوع المجزرة بنصف ساعة تقريبًا، كانت "إسرائيل" قد أعلنت هدنةً "إنسانية" خدعت فيها الناس، فعاد النازحون من العدوان إلى منازلهم في المناطق الحدودية يتحسسون خسائرهم، ويعدّونها. ما هي إلا لحظات حتى انقضّت عليهم آلة الحرب من جديد. "انفجاراتٌ لا تهدأ، وقذائف مستمرة تضرب من كل حدب وصوب. أشلاءٌ تتطاير، وأطفال بعمر الورد قُتلوا!" تروي أماني سليم شهادتها بنبرة أسى.
تقول: "فُزع الناس. انقطعت الكهرباء، والمياه، والإنترنت، والاتصالات. لم ندرك ماذا يحدث! قادتنا أرجلنا مجددًا إلى طريقٍ لم نعرف له نور، بل نارٌ تندلع في كل جوانبه، من خلفنا ومن أمامنا، هكذا حتى حوصرنا بأحد المنازل لا نعلم متى يأتينا الدور. بقينا لساعاتٍ حتى تمكن الدفاع المدني من الوصول إلينا بعد ساعات".
بعد مضي تسع سنوات على المجزرة، تعلّق أماني: "توقف الزمن بالنسبة لي عند تلك اللحظة، أرى كل شيء باهت. حزين. أخاف أن أفرح بأي مناسبة فأتذكر أن يد الاحتلال يمكن أن تطالنا بأي وقت دون حساب، فأتقوقع مجددًا".
لم تعد أماني تسكن المنطقة ذاتها، كان شرطها للقبول بالزواج أن تنتقل إلى وسط مدينة رفح، التي بنظرها تبتعد عن أماكن الاستهداف المباشر، حتى جرى عكس الأمر عام 2023م، عندما قصفت "إسرائيل" أحياءً سكنية كاملة، وارتكبت مجازر أخرى أودت بحياة العشرات من الناس الآمنين في منازلهم.
وكان الاحتلال الاسرائيلي شن عدوانًا داميًا على قطاع غزة بين شهري يوليو وأغسطس عام 2014م، استمر 51 يومًا، وأسفر عن استشهاد أكثر من 2200 مواطن فلسطيني، وجرح أكثر من 11 ألفًا آخرين، بالإضافة إلى تدمير البنى التحتية وآلاف المنازل.
























