"كنتُ أحترق من أجلها بالمعنى الحرفي للكلمة"، قالها يصف تلك المرحلة من حياتهما معًا. عندما كانت زوجته ريما أبو عيدة تخضع لجلسات غسيل الكلى بين اليوم وأخيه. تنخز الإبر جسده قبل أن تصيبها بالـ"آه"، وتعصر قلبه دمعاتها، وهي التي كانت تتمنى لو تحتضن دمعه بيديها وتمسح على قلبه وجعًا تجزم أنه أقوى من وجعها!
هو الحُب الذي يحيى فيه الإنسان. هو الدافع الذي صوّر الطبيب عنان سعدات في أبهى قصص الوفاء لزوجته، عندما منحها كليته لإنهاء معاناتها مع غسيل الكلى بعد أكثر من عام عاشت فيه أبشع فصول العذاب تحت "ماكينة الموت البطيء" كما يصفها هو.
يقول: "لم أستوعب أنني سأستمر بحياتي لو حصل لها مكروه. إنها تعيش معاناة لأربع ساعات يومًا بعد يوم. لم أقبل الاستسلام لهذا الوجع فرفضته تمامًا، هو وكل تفاصيله المرعبة، وقررت أنه لا يجب أن يستمر معنا بقية العمر".
عنان الذي يعيش في مدينة بيت حانون شمالي قطاع غزة، يرى زوجته بمثابة عمود متين يتكئ عليه في حياته. ينكسر بانكساره، ويصلب طوله بشدّته ومتانته، ويهتزّ مع كل رجفةٍ تربك جسدها بسبب المرض.
قصّة ريما مع الفشل الكلوي بدأت بعد محاولتهما زراعة طفل، تسبب الأمر بمضاعفاتٍ أدت إلى تسمم دموي، وفشل في أعضاء الجسم، وهنا كانت لحظة الانهيار.
يخبرنا الطبيب بأن أسوأ لحظات مرّت عليه في حياته حين تلقّى خبر إصابتها، مردفًا: "انهرت، وأصبت بالصدمة. حاولت إخفاء ضعفي من أجلها، دعمتها لكن قلبي كان ينتفض في كلّ مرة كنت أسمعها فيها تئن. لم أكن أسمعها حقيقة، بل عشتها معها ومتّ مئة مرة في كل يوم رأيتها تجلس فيه على جهاز الغسيل بالمستشفى".
سافر الزوجان إلى مصر في رحلة بحث عن العلاج، ولم يستطع الأطباء فعل شيء. لم يخفّ ألم ريما ولم يعتقها المرض من قسوته على جسدها وقلبها الرقيق، لم يكن بيده سوى إعطائها الوعود بأن يخلصها من كلّ هذا العذاب، ولم يكن أمامه إلا أن يوفّي.
تقول ريما التي تمكث على سرير المستشفى، لكنّها أصرت على التحدث: "زوجي أعطاني كليته. خفف عني، وساعدني، وحاول أن يزيح غمّة الأوجاع عني. معاناتي كانت عظيمة، وكل تفصيل بحياتي بات مرهقًا قاسيًا وقاتلًا علي وعليه".
قرّر عنان التبرع بكليته حينما زار وفد طبي من الخارج غزّة، وهذه الزيارات عادة تأتي لإنقاذ حياة مرضى، والمساهمة بمساعدتهم تحت الظروف المأساوية، والإمكانات الضعيفة التي تعيشها مستشفيات القطاع جراء الحصار الإسرائيلي المستمر منذ 17 عامًا.
عن ردّة فعلها، لا تخبّئ ريما تعجُّبها من حجم الوفاء الذي يكنّه زوجها لها، لكنها بالنسبة له أكثر من ذلك. فهي الكون، وهي قبل أي اعتبار آخر في الحياة، عالمه، وروحه التي تحييه، "فهل سيبخل عليها بكلية؟" يختم متسائلًا.
























