غزة:
عشرات الأنواع من الأسماك الطازجة تُزيّن ثلاجات العرض داخل قاعةٍ فسيحة؛ وعلى جانبيها تتنوّع الزوايا. واحدةٌ لأدوات الصيد المستخدمة بغزة، وأخرى لعرض مجسّمات مراكب سياحية وقوارب أبدعتها يدا صياد سبعيني يعشق الفن.
في معرض "بحرك يا غزة" (الأول من نوعه على مستوى قطاع غزة)، ترى زرقة البحر وتسمع هدير موجه في عيون المشاركين والزوار أيضًا، وهناك أيضًا ترى أحلامًا ممتدة على مساحة بحر فلسطين التاريخية، تقف في وجهها زوراق الاحتلال الحربية ونيران قناصيها.
في زاوية المجسمات، داخل المعرض الذي نظمه المركز الفلسطيني للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، يجلس صياد مسن، ينسج "شبكة صيد" في محاولةٍ لتسليط الضوء على هذه المهنة التقليدية "شبه المنقرضة" من قطاع غزة، وإلى القرب منه، تمتمد عشرات قوارب الصيد والشباك التي دمرتها اعتداءات الاحتلال على مدار أعوام الحصار.

يقول الصياد أحمد العجلة لـ"نوى": "هذا المعرض يحمل رسائل مهمة تتعلق بمهنة الآباء والأجداد، ويدعو للحفاظ عليها وتعزيز صمود الصيادين".
يعرض العجلة داخل زاويته التي تمثل (جمعية التوفيق) المعنية بتوفير خدمات للصيادين، نحو 21 نوعًا من الأسماك المُصطادة من بحر قطاع غزة، ويقول: "بحرنا زاخر بنوعيات كثيرة من السمك، هذه بعضها فقط".
وضمت زاوية "التوفيق" ثلاث مشارَكات أساسية، وهي السمك بأنواعه، ومهنة نسج الشباك التقليدية، وقوارب الصيد.
يتوقّف أحمد قليلًا امام مهنة "رسل الشبك"، التي اختفت تقريبًا من القطاع بسبب طغيان المستورد على تلك التي كانت تصنّع يدويًا من خلال زوجات الصيادين غالبًا، والصيادين أنفسهم، معقّبًا: "تحتاج الشبكة إلى نحو شهرٍ من الرسل اليومي لتكون جاهزة، بينما المستورد يتطلب تركيبه أقل من أسبوع، لكن البعض ما زال يمارس هذه المهنة ولو بشكل قليل".

في زاوية المجسمات، يبدأ الصياد المسن توفيق الجوجو حديثه لـ"نوى" بشرح موهبته التي أصبحت مصدر رزق بالنسبة له بعدما توقف عن نزول البحر، ويقول: "آتي بالفلين الأبيض ثم أبدأ بقصّه حسب شكل المجسم الذي أرغب في تصميمه، ثم ألونه بالألوان المناسبة للبحر، التي تتفاوت بين الأزرق الذي هو لون السماء، والأصفر من الجوانب، والأخضر الذي يغلب على تموجات البحر ويعكس لون عمقه"، موضحًا أن كل المجسمات التي يصنعها، اقتبس تصميمها من حياة البحر التي أخذت منه عمره كله، قبل أن يكبر في السن، ويعود غير قادرٍ على مجاراة مصاعبها.
أما مسؤول لجان الصيادين في قطاع غزة زكريا بكر، وبعد جولة في المعرض الذي يأتي في اختتام مشروعٍ تدريبيٍ للصيادين نفذه المركز الفلسطيني للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، فقال: "المعرض توعوي ويسهم في تسليط الضوء على قطاع الصيد والإشارات البحرية"، عادًا إياه فرصة للحديث عن تواصل الانتهاكات الإسرائيلية بحق الصيادين، التي قسّمها إلى ثلاثة أشكال، أولها الاعتداءات المباشرة، حيث شهد العام الحالي إصابة 10 صيادين واعتقال 17، ومصادرة 6 مراكب وتخريب أخرى خلال عمليات ملاحقة الصيادين وإطلاق النار عليهم في عرض البحر، في حين اعتقل الاحتلال العام الماضي 64 صيادًا، وأصاب 22، وصادر 25 مركبًا.
الشكل الثاني من الانتهاكات التي تحدث عنها بكر، تتعلق بتقسيم مساحات الصيد ما بين 6 أميال، و12 ميلًا بحريًا، أقّلها شمالي القطاع حيث تصل فقط إلى 6 أميال تزيد كلما اتجهنا جنوبًا، "وهذا أجبر نحو 4000 صياد على الصيد في مساحة صغيرة، ما يسبب ضررًا للثروة السمكية، ناهيكم عن أن مساحة الصيد الطبيعية وفقًا لاتفاقية أوسلو هي 20 ميلًا، ووفقًا للقوانين الدولية هي 200 ميل بحري" يزيد.
ويتابع بخصوص الشكل الثالث للانتهاكات الإسرائيلية: "منع إدخال معدات الصيد، فالاحتلال حين حاول تجميل صورته أمام العالم، سمح بإدخال مادة الفيبر جلاس المستخدمة لإصلاح المراكب، ولكنه وضع شروطًا مجحفة لذلك، لا تنصف الصيادين ولا تساوي فيما بينهم، وبالتالي كان يجب رفض هذه الشروط".

وشدد على ضرورة تكرار مثل هذه المعارض التي تسلط الضوء على واقع الصيادين، وتؤرخ لمهنة الصيد في فلسطين ماضيها وحاضرها، بالإضافة إلى توثيقها انتهاكات الاحتلال بحق الصيادين، وأسماء شهدائهم، "لعل صوتهم يصل إلى العالم الذي يرى الجلاد دومًا في ثوب الضحية".
في زاويةٍ من زوايا المعرض، يقف القبطان بهاء العقاد (الذي يمثل جمعية الملاحين البحريين)، موجهًا نداءات بحرية عبر مجسمات لقوارب صيد، ويقوم بتعريف الحضور على طبيعة هذه النداءات والفرق بينها.
يقول: "هذا الركن يسلّط الضوء على القطاع البحري بشكل عام، وعلى ضرورة حماية البيئة البحرية، ويعرض القوارب المستخدمة في البحر، ولغة التواصل في أعالي البحار"، متابعًا: "الجمعية تعمل على بناء قدرات الكادر البحري، ودعم قطاع الصيد بالتدخلات من خلال توفير قوارب أو مواد مرتفعة السعر خاصة الصيانة، كما تسعى أيضًا إلى توعية المجتمع بالبيئة البحرية، وضرورة حمايتها والحفاظ عليها كونها تمسّ كل إنسان فينا".
وشدد العقاد على أن الصيادين يتعرضون للكثير من المعوقات نتيجة الحصار الإسرائيلي الذي يحرمهم نزول البحر بالمساحة التي يرغبون، وهناك 4000 صياد يتعرضون بشكل دائم للملاحقة والانتهاكات، وهذا أثّر على قطاع الثروة السمكية التي تشكل عصبًا مهمًا في الاقتصاد المحلي.



























