غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
بينما كانت الصحفية "رنا" (اسم مستعار) منشغلة في إعداد طعام الغداء لعائلتها، وصلتها عبر صفحتها الشخصية في موقع "فيس بوك" رسالةً من أكاديمية معروفة، وتربطها بها علاقة جيدة.
المُحاضرة، التي تعمل في جامعةٍ من جامعات غزة الكبرى، سألتها عما لو كانت تعرف طلبة جامعيين، حُجزت شهاداتهم بسبب عدم المقدرة على الدفع لتحريرها، لغرض مساعدتهم في ذلك.
السيدة "الثقة" على حد وصف رنا، ومن منطلق طبيعة عملها، لم تترك مجالًا للشك في قلب الصحفية، لا سيما وأن محادثات سابقة جرت بين الاثنتين لأكثر من هدف، فما كان من "رنا" إلا أن بدأت بالبحث عن الطلبة من غير المقتدرين.
تقول لـ"نوى": "تعاملت مع الأمر من مبدأ المساعدة، وعمل الخير، وكنتُ بالفعل أعرف طالبة شهادتها محجوزة بسبب تعسر الدفع، وقد أجريتُ معها مقابلة من ذي قبل، ولهذا لم أتردد بمكالمتها على الفور".
كانت فرحة الطالبة لا توصف، فلم تتوقف عن الدعاء لرنا عبر الهاتف، ولم تسعفها كلمات الشكر لتفيها حقها كونها تذكّرتها في هذا المعروف -على حد تعبير- ما لم يكن بالحسبان أن الأكاديمية حوّلتها على شخصٍ قالت إنه رئيس الجمعية الخيرية المكلفة بالمساعدة، ومن هنا تبدأ الحكاية.
تضيف رنا: "طلب الرجل يومذاك مني أن أخبر الفتاة بضرورة إرسال 150 شيقلًا على رقم حسابٍ أرسله لي. كان الأمر غريبًا لكنه أقنعني بأنه بدل إرسال الحوالة. لم أكذّب خبرًا وهاتفت الطالبة التي لم يكن معها المبلغ، لكنها قررت أن تستدينه من أقارب لها، وترسله فورًا خشية أن تضيع فرصتها في تحرير الشهادة بالفعل. وقد تم الأمر".
أنهت رنا تكاليفها المنزلية، وقررت أن تستريح على سريرها لوقتٍ قصير، وبينما هي تتأمل سقف الغرفة، هبّت من مكانها فجأة! حملت هاتفها على الفور، وبدأت بمراجعة المحادثة مع الدكتورة الجامعية. لقد انتبهت لوجود أخطاءٍ إملائية مرعبة في المحادثة لا تصدر من طفلٍ في الابتدائية! وهنا "بدا الفار يقرقط أظافري" كما تعبّر.
اتصلت رنا برقم هاتف الدكتورة، وسألتها بطريقةٍ مواربة عن ما لو كانت المساعدة للفتاة أكيدة، فما كان منها إلا أن صرخت، وسألتها: "هل وصل إليكِ أنتِ أيضًا!".
كشفت الأكاديمية عن أن حسابها سُرق منذ يومين، وأنها لم تستطع إرجاعه حتى اللحظة رغم لجوئها لمختصين! بالتزامن مع ذلك وصلت رسالة من الرجل الذي قال إنه المكلف بأمر المساعدات، يطلب من رنا الدخول إلى رابط لتعبئة بعض المعلومات، ولولا أن لديها خلفية عن الأمر لكان حسابها في خبر كان.
تضيف: "اكتشفتُ أن كثيرات غيري خلال اليومين الماضيين مررن بنفس التجربة، وبعضهن يا للأسف ضغطن على الرابط فسُرقت حساباتهن، وصار الابتزاز على صورهن الخاصة، ومحادثاتهن، وكل هذا الأكاديمية منه براء".
وليست "رنا" وحدها التي وقعت في فخ النصب الإلكتروني، فمؤخرًا، أخبرنا موظف حكومي أنه تعرض للقصة نفسها، حين تواصل معه شخصٌ معروفٌ "وثقة"، وسأله عن عائلات تعيش تحت خط الصفر "لأن هناك جمعية ستدعمهم بمبالغ محترمة" على حد تعبيره.
لم يكذب الموظف خبرًا، وبحث عن عدد العائلات المطلوب، ولما وجدها طلب منه "الشخص" أن يخبرهم بضرورة التوجه لمقر جمعية -مرفقًا اسمها وعنوانها- لدفع مبلغ 500 شيقل، مقابل شيك بمبلغ كبير يصرف بعد شهر.
بالفعل هاتف الموظف العائلات فذهبوا إلى مقر الجمعية، ودفعوا المبلغ، وأخذوا وصولات أيضًا، ما لم يدع مجالًا للشك في قلوبهم. "مرّ الشهر، والشهران، والشخص المحترم لم يعد يرد على الاتصالات. الناس تطالب بالمساعدة، وتنتظر على أمل، ولما طال الوقت طالبوا بالخمسمئة شيقل التي دفعوها لأنها في المعظم مستدانة وهنا لم يكن أمامي سوى التوجه للشرطة" يقول.
ويضيف: "ما حدث كان صدمة، لقد توجهوا لمقر الجمعية فوجدوها شقة فارغة، ولا يافطة أو عنوان لها. لقد كان الأمر نصبًا بحتًا، وقد عرفنا من بواب العمارة أن الشقة المستأجرة كانت مستأجرة لفترة شهر على نية السفر، ثم غادر أصحابها فجأة".
حتى اليوم، يكابد الموظف همّ البحث عن الجناة بالتعاون مع الأمن، فالمبلغ الذي اقتُطع من العائلات التي ظنّت أنها ستعيش واقعًا أفضل بعد دفع 500 شيقل، كان كبيرًا بمجموعه، ولا يستطيع تغطيته بشكلٍ فردي، وهو الأمر الذي جعله يواجه كلامًا صعبًا من فئة يُدرك تمامًا أنها لولا الحاجة لما مدّت يدها للمساعدة أصلًا.
في قطاع غزة، أصبحت مساحة وأشكال الجريمة الإلكترونية واسعة، ولهذا أفردت لها الشرطة أقسامًا خاصة، وحتى وكلاء نيابة وقضاة يتابعونها خصيصًا؛ نظرًا لأهميتها وخصوصيتها.
يقول المتحدث باسم الشرطة في قطاع غزة، العقيد أيمن البطنيجي لـ"نوى": "وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت منصّات مفتوحة للجمهور المتباين، ووفقًا لنظامنا الشرطي والقانوني، فإن ما يجري على الجرائم المعتادة يجري على الجرائم الإلكترونية".
وحول أنواع الجرائم الإلكترونية في قطاع غزة، أوضح أن أكثرها انتشارًا تلك المتعلقة بالابتزاز الإلكتروني، "كأن يقوم شخص مجهول باختراق صفحة أو موقع أو جهاز شخص آخر، ويسحب منه المعلومات والصور الخاصة، ثم يبدأ بمساومته مقابل المال أو طلبات أخرى، في حين قد يتعرف شخص على فتاة، ويقيم معها علاقة عاطفية واعدًا إياها بالزواج، ثم يبتزها بعد ذلك بالمال أو بطلبات أخرى غير أخلاقية".
ومن أشكال الابتزاز الإلكتروني أيضًا (والحديث للبطنيجي) "النصب"، كأن يقوم شخص باختراق حسابات شخصيات مرموقة ومعروفة في المجتمع، ليستغل أسماءهم فيما بعد في النصب على المواطنين، وجمع أكبر قدر من الأموال بدعاوٍ مختلفة، تمامًا مثلما حدث مع ضحايا هذا التقرير.
وأكمل: "في الموقع الإلكتروني الخاص بالشرطة، لدينا أيقونة لاستقبال الشكاوى التي نتعامل معها بشكل آني، ولدينا أجهزة ومختصين يستطيعون الوصول إلى الجناة بسرعةٍ قياسية، ومعرفة ما إذا كانوا من داخل القطاع أو من خارجه، حتى ولو تخفوا خلف أسماء وصفحات وهمية"، مشددًا على ضرورة التبليغ الفوري عن أي مبتز أو "نصاب" لتدارك تبعات ما يمكن أن يفعله، وبشكلٍ مبكر، "قبل أن يحدث للضحية ما قد لا يُحمد عقباه".
وحول الخطوات المتبعة في حل الجرائم الإلكترونية، أوضح الناطق باسم الشرطة، أن الشخص من خارج البلاد إذا تعرض للنصب من قبل أحد السكان، فإنه يقوم بتقديم شكوى رسمية، سواء عبر صفحة الشرطة أو عبر الاتصال على الرقم السريع، فتُرسل الشكوى للمباحث في قطاع غزة، وتقوم المباحث بالبحث عنه وتوقيفة عبر النيابة، ومن ثم تُرجع الأموال إلى أصحابها، وهذا حدث كثيرًا".
وتابع: "لكن في حال وجدنا أن الشخص المبتز "الجاني" من الضفة الغربية، نخبر المجني عليه بتلك المعلومات ليقوم بتقديم شكوى في جهاز الشرطة الفلسطينية هناك، وهناك سيتم عمل اللازم"، مختتمًا حديثه بالقول: "لقد حدث وحللنا أيضًا قضايا لنصابين من خارج فلسطين بالكامل".
























