شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م19:04 بتوقيت القدس

الماء والكهرباء.. رديفا المأساة صيفًا

"الآبار العشوائية".. الخزان الجوفي بغزة يُحتَضَر!

24 يونيو 2023 - 11:37

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لسد حاجة عائلته المتزايدة من المياه مع اشتداد حر الصيف، لم يجد المواطن خليل الشريف (62 عامًا) من مدينة غزة، خيارًا سوى اللجوء إلى حفر بئر لاستخراج المياه بشكل غير مشروع.

يقول الشيخ الذي يسكن عمارةً سكنية تضم خمس أسر، يرأسها أشقاؤه وأبناؤه: "مياه البلدية تصل عمارتنا السكنية لمدة 7 ساعات كل 72 ساعة، وهي فترة قصيرة للغاية، ولا تكفي لسد احتياجاتنا من المياه".

حفر البئر، كان خيارًا يلجأ إليه كثيرون من سكان قطاع غزة للحصول على المياه، وهو قائم منذ سنوات رغم خطورته على مخزون المياه الجوفية، وملاحقته ومنعه من قبل الجهات المختصة.

خيار حفر البئر، لم يكن متاحًا أمام فاتن الشريف التي تعاني وعائلتها المكونة منها وزوجها وسبعة أبناء، أوضاعًا اقتصاديةً صعبة.

وتضطر السيدة الأربعينية لاستخدام كل ما يصلح من أوانٍ وزجاجات فارغة، أو حتى حوض الاستحمام، لتعبئة مياه البلدية التي تصل منزلها لنحو 5 ساعات فقط كل 48 ساعة، من أجل سد احتياجات بيتها من المياه حتى حين وصلها بعد يومين.

تقول لـ"نوى": "زوجي لا يعمل، لذلك لا أملك خيارات كحفر بئر خاص لتكلفته العالية، لذلك ألجأ لطرق بدائية من أجل توفير المياه".

وتتخذ عائلة الشريف إجراءات تقشفية في استخدام المياه من أجل الحفاظ عليها لأطول فترة ممكنة. تضيف: "رغم حاجة أبنائي للاستحمام اليومي في ظل هذا الحر الشديد، إلا أنني خصصت يومًا واحدًا فقط من الأسبوع لكل ابن من أبنائي السبعة من أجل الاستحمام".

واعتاد سكان القطاع أن يصاحب الحر الشديد، لا سيما خلال الأشهر (7-8-9) من كل عام، ارتفاع عدد ساعات قطع الكهرباء لما يزيد على ثمانية، بما يعني انعدام قدرة البلديات على تشغيل المضخات لتوصيل المياه إلى منازل المواطنين بشكلٍ منتظم.

ليس ذلك وحسب، فالسكان يحتاجون الكهرباء لتشغيل مضخات المياه المنزلية، من أجل رفعها إلى الخزانات على أسطح منازلهم خلال الساعات القليلة لوصل مياه البلدية، لكن ازدياد ساعات انقطاعها يزيد من احتمالات عدم الاستفادة من هذه المياه، إلا من خلال تعبئتها يدويًا، وتخزينها في مواعين مختلفة الأحجام ويصعب احتواءها في البيوت الصغيرة.

بنظرة عامة إلى الوضع السكاني والجغرافي لقطاع غزة، يمثل سكان القطاع 17% من الشعب الفلسطيني، ويعيشون على مساحة لا تتجاوز 1.4% من مساحة فلسطين التاريخية (365 كيلو مترًا مربعًا). هذا يشير بشكلٍ واضحٍ إلى حجم معاناة السكان الناجمة عن قلة الموارد المائية الموجودة في هذه المساحة الضيقة، مع عدد كبير جدًا من السكان (2.2 مليون نسمة).

يقول القائم بأعمال رئيس سلطة المياه وجودة البيئة مازن البنا: "يستخرج القطاع من مياه المخزون الجوفي 220 مليون متر مكعب سنويًا، فيما يتم تغذية هذا المخزون بنحو 140 مليون متر مكعب من المياه سنويًا، ما يعني وجود عجز في هذا المخزون يصل إلى 80 مليون متر مكعب سنويًا.

وأوضح البنا لـ"نوى" أن بلديات القطاع تحصل على المياه التي تغذيها لمنازل المواطنين من ثلاثة مصادر، وهي آبار المياه الجوفية، ومحطات تحلية مياه البحر وعددها 3 محطات، والمياه التي يتم شراؤها من شركة "ميكروت" الإسرائيلية، وتصل إلى 20 مليون متر مكعب سنويًا.

وأضاف: "مؤخرًا توجّهنا لإنشاء محطات تكرير مياه الصرف الصحي التي تعالج المياه بمستوى عالٍ جدًا وعددها 3 محطات، وتستخدم في الزراعة وتغذية الخزان الجوفي".

وتستخرج البلديات -بحسب البنا- 40% فقط مما يتم استخراجه سنويًا من المخزون المائي الجوفي، ما يعني أن هذه البلديات توفر فقط 40% من حاجة السكان من المياه، الأمر الذي يدفع المواطنين لحفر الآبار العشوائية، التي تُستخدم في الأغراض المنزلية، والزراعية، والتجارية، والسياحية.

ويتابع: "هناك تغوّل كبير من قبل المواطنين على مياه المخزون الجوفي من خلال هذه الآبار، رغم وجود قانون فلسطيني يمنع حفر الآبار بشكل عشوائي وغير مرخص"، مشيرًا إلى أن هناك نحو 5000 بئر مياه مرخصة، ونحو 10 آلاف بئر غير مرخصة في القطاع.

وينص القانون رقم (3) لعام 2002م، على عقوبات معينة بخصوص حفر الآبار المخالفة، إما بالحبس من 6 شهور إلى سنة، أو غرامة مالية يحددها القاضي من 1000 إلى 5000 دينار أردني، لكن البنا يقول إن هذه العقوبات "لا تطبق".

رغم ذلك يشير إلى صعوبة الإقدام على ردم الآبار غير المرخصة بسبب حاجة السكان للمياه، وبدلًا من ذلك تطلب السلطات المحلية من السكان ترخيصها، إذ يبلغ ترخيص الآبار التجارية (آبار محطات التحلية الخاصة) والسياحية (الشاليهات والمنتجعات) 8000 شيكل، فيما يصل ترخيص البئر المنزلي والزراعي إلى 4000 شيكل.

وبينما لا تعبر ظاهرة انتشار الشاليهات السياحية في قطاع غزة التي يمتلك كل واحد منها بئر مياه خاص، عن حاجةٍ ملحةٍ في فوضى استنزاف مياه المخزون الجوفي، تسمح السلطات المحلية لملّاكها بحفر الآبار بلا قيود، شريطة ترخيصها.

وتبلغ تكلفة حفر بئر مياه بين 1000 و3000 دولار -بحسب أبو محمد النجار- أحد العاملين في حفر الآبار المنزلية والزراعية.

يقول لـ"نوى": "يطلب المواطنون حفر الآبار بشكل مستمر، خاصة في المناطق الحدودية، والمناطق السكنية والزراعية، التي لا تصلها مياه البلدية"، مضيفًا: "أحيانًا يتشارك مواطنون في حفر بئر مياه واحد نظرًا لتكلفته العالية، وهم بهذا يحلُّون مشكلة عدم وصول إمدادات المياه لهم أو وصولها لساعات لا تكفي حاجتهم".

ونظرًا لخبرته في هذا المجال، يجزم النجار أن السلطات المحلية تغض البصر عن حفر الآبار غير المرخصة، "وتلجأ لتغريم أصحابها بمبلغ 1000 شيقل مراعاةً للظروف والواقع الحياتي هنا".

بالعودة إلى البنا (القائم بأعمال رئيس سلطة المياه وجودة البيئة)، فقد حذر من استمرار حفر الآبار العشوائية، وما قد يؤدي إليه من اندماجٍ لمياه البحر مع المخزون المائي الجوفي، خاصة في المنطقة الشرقية من القطاع، وزيادة تركيز الملح فيها. معلقًا بالقول: "نتيجةً لذلك، أصبحت 97% من هذه المياه في تلك المنطقة غير صالحة للشرب".

ويرى أن مشكلة الآبار العشوائية لا يمكن أن تُحل بدون إنهاء الحصار الإسرائيلي الذي يعيق تطوير شبكات المياه، وتحسين ساعات وصول التيار الكهربائي في القطاع، "وهو ما يجب الدفع باتجاهه عل الصعيد الرسمي الفلسطيني، من خلال الضغط على المجتمع العربي والدولي، لتسيير هذا الملف، وإنقاذ المياه الجوفية في قطاع غزة".

كاريكاتـــــير