شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 24 ابريل 2026م03:22 بتوقيت القدس

"هدية" المغتربين الأولى..

غزة محاصرة وفخّارها يُسافِر!

16 يونيو 2023 - 19:27

شبكة نوى، فلسطينيات: غزة:

عندما رتّبت الفنانة الفلسطينية أسيل تايه حقائبها للسفر، لم يخطر ببالها لزوم أخذ زبدية فخار معها. كان كل يشغل تفكيرها آنذاك الوصول بسلامٍ إلى بلد الإقامة الجديد "أستراليا"، برفقة زوجها وأبنائها.

أسيل ذات الأصول المقدسية، لا تستغني عن الفخار في حياتها اليومية أبدًا. الزبدية، وقدرة الأرز، وغيرها من الأدوات المساعدة، التي اعتاد الفلسطينيون على وجودها في حياتهم اليومية، وهذا ما جعل غيابه في البلاد الجديدة نقصًا حقيقيًا رغم كل أدوات الحداثة.

تقول لـ"نوى": "لما سافرت، بدأتُ أجوب الشوارع بحثًا عن الفخار، لكنني لم أجد شيئًا مصنوعًا منه. لم أجد أي شيء يخص هويتنا العربية والفلسطينية يا للأسف".

تتابع: "بقيتُ على هذه الحال حتى صادفتُ إعلانًا لمصنع فخار داخل البلدة القديمة بالقدس، يتيح إمكانية التوصيل للدول الأجنبية، وهنا لم أتردد لحظة، أوصيت على طقم كامل من الفخار بكل أحجامه وأشكاله، لكنه وصلني بعد وقت طويل جدًا، وذلك بسبب الجائحة".

ولا يمكن لأحدٍ أن يتخيل فرحة أسيل عندما وصلها الطلب، "فأنا أفضل الفخار في كل عملية إعداد الطعام داخل مطبخي. نحن هكذا وتربينا على هذا الأمر في فلسطين" تضيف.

وعلى ما يبدو، فإن معظم المغتربين بحال أسيل، عندما تصلهم رائحة الوطن عبر "فخارة"، تصبح الأداة الأكثر أهمية في بيوتهم. "ولا تتخيلوا كيف يكون شعوري، أو ردود أفعال أصدقائنا عندما يجلسون على مائدتي المزينة بالتراث الفلسطيني، وهذا ما يبرر خشيتي على فقدان أي قطعة من الطقم، وخشيتي على أن لا أتمكن من توفير مثلها مجددًا" تردف.

سعيد سمارة (46 عامًا) أيضًا، فلسطيني من قطاع غزة دفعته الظروف السياسية والاقتصادية لترك الوطن والهجرة إلى بلجيكا. يقول: "قبل أربع سنواتٍ وصلت، وبحثت عن فخار في جميع المحال والأسواق، وحتى محال الأدوات المستخدمة فلم أجد، لم أطلب حينها إلا زبدية السلطة، فلنكهة الثوم والفلفل والبندورة فيها مذاق خاص، لا يمكن أن توفره الأواني البلاستيكية أو المعدنية".

بعد مدة، صار بإمكان عائلته الالتحاق به هناك، وكان أول طلبٍ أكد على إحضاره "اثنتين أو ثلاثة من زبادي الفخار". يعقب: "كان احتفالًا كبيرًا طبعًا. لم أتذوق السلطة الغزاوية منذ فترة طويلة، ولهذا فرحت جدًا".

ويا للأسف، مع الاستخدام الكبير للزبديتين كسرت الاثنتان فجأة، وهذا ما دفعني لانتظار أي زائرٍ جديد، وبالفعل "وصلتني خمس فخارات مرة واحدة".

إن ارتباط الفخار الفلسطيني بفكرة الوطن، جعل الفلسطينيين المغتربين يبحثون عنه دومًا في كافة بقاع العالم، وليس فقط الفخار، فهناك الكثير من الأشياء التي ترتبط قيمتها بالوطن كالثوب الفلسطيني، وزيت الزيتون، والدقة، والزعتر.

سارة اليازجي (23 عامًا) أيضًا، مواطنة من قطاع غزة، خطبت لشاب فلسطيني غيابيًا يقيم في ميونخ بألمانيا، ثم سافرت هناك، وبعد الاستقرار اكتشفت عدم وجود أي أداة مطبخ من الفخار، وبقيت فترة طويلة تبحث عنها لكنها لم تجد.

تستدرك: "والدتي التي كانت على اتصالٍ دائمٍ بي عرفت حاجتي لفخار فلسطيني من أجل إعداد الأكلات فيه، فلما حان موعد ولادتي جاءت في زيارة للمساندة، وفوجئت بها تحمل كل أنواع الفخار وأحجامه معها. يا الله في تلك اللحظة كم غمرتني الفرحة، عانقتُ أمي وبكيت من فرط السعادة".

ثمانية من أصل 50 ورشة لصناعة الفخار هي الإرث التاريخي المتبقي لهذه الحرفة في قطاع غزة. أقدمها تعود لعائلة عطالله بشارع النفق غربي مدينة غزة، ويديرها الحاج صبري عطالله"عميد الفخاريين"كما يطلق عليه.

يقول لـ"نوى: "يُصنع الفخار من مادة الطين وهي متوفرة بكثرة في مناطق شرق غزة الحدودية. في غزة الطلب كبير على الفخار رغم اختلاف الأدوات المطبخية وتنوعها؛ فما زالت الدقة والسلطة الغزاوية سيدة أطباق المقبلات هنا، والأفوكادو والجمبري والقدرة كلها مأكولات لا تطبخ في غزة إلا بالفخار".

ورث الحاج عطالله ورشته التي أسست عام 1960م، عن والده، ثم أورثها لأبنائه وأحفاده الذين يعملون بهذه المهنة حبًا، دون اكتراثٍ لبرودة الطين، أو احتكاكه المستمر بأيديهم أثناء العمل.

 ويختم: "كان الفخار يشق طريقه إلى خارج قطاع غزة ليصدر لدول عربية مختلفة، بالإضافة إلى أسواق الاحتلال، كما أنها كانت تباع للسياح القادمين إلى القطاع،  لكن ذلك كله توقف منذ عام 2011 تقريبًا، إذ اندثرت الحرفة جزئيًا، وبدأ غزو الأواني المعدنية والبلاستيكية للأسواق يقلل من الحاجة للفخار شيئًا فشيئًا".

كاريكاتـــــير