قطاع غزة:
وأخيرًا، زار الفرح رسمية بعد 15 عامًا من الحرمان. قصّةٌ بدأت باعتقال زوجها الأسير لدى الاحتلال أحمد شمالي بعد ثلاث سنوات من زواجهما، ثم مرّت الأيام طويلةً كئيبةً حتى زارها كرم الله دفعةً واحدة، بأربعة توائم وضعتهم بنطفٍ نجَت من السجن بأعجوبة.
تقول رسمية شمالي (33 عامًا): "لم أتوقع يومًا أن تنجح محاولاتي. هذه ثالث زراعة لنطف مهربة، لكنني لم أيأس، وفي نفس الوقت لم أتخيل بأن عوضي سيكون كبيرًا إلى هذا الحد. ثلاثة أولاد وبنت مرة واحدة.. لك الحمد يا رب".
رحلة الحمل هذه لم تكن سهلة، فإمكانات غزة لا تسمح لحالتها بالولادة هنا، فحصلت على تحويلة علاجية لمستشفى المقاصد بمدينة القدس في مارس/آذار لتلقي العناية اللازمة، حتى وضعت مواليدها بسلام.
سارت الأمور جيدةً إلى هنا، لكن طريق العودة إلى غزة في الحادي عشر من يونيو/حزيران الجاري كانت أشبه بالكمين هذه المرة. لقد احتجزها جنود الاحتلال في حاجز بيت حانون "إيرز" لأربع ساعات تحت التحقيق، أرهقوها بالأسئلة حول كيفية تهريب النطف، ومن الذي أوصلها لها؟ وعن لقائها بزوجها في الأسر. كل هذا والأطفال بقربها يبكون الأمر الذي أربكها أكثر.
تضيف: "لم أشعر بالخوف في حياتي كما شعرتُ به في هذه اللحظة. خفتُ على أطفالي من أن يُنتزعوا مني، وخفت على زوجي أن يواجه عقوبةً قاسية، وخفت من احتجازنا، ومن ترك عبيدة وعلي وحدهما في الخارج".
وتتابع: "اعتقل أحمد وكنتُ أمًا لطفلين، الأول بعمر عامين والثاني بعمر خمسة أشهر، أسميناهما عبيدة وعلي، لكنهما بالطبع لم يدركا أبيهما، ولا شكله، ولا يعرفانه إلا من خلف زجاج الزيارة".
حكم الاحتلال الإسرائيلي على الأسير بالسجن لمدة 18 عامًا، تزورهُ أسرته كل شهرين إن لم تحدث مماطلة. وفي السنوات الأولى، كان يُسمح للأطفال بالدخول إلى أبيهم لدقائق معدودة.
تخبرنا الجدّة وهي أم أحمد، بأنها لا تسمح لنفسها بالاقتراب من نجلها وقت الزيارة، بل تتركه مع أطفاله اللذان يغرقان في حضنه. لا مجال هنا للحديث. إنها ترقب المشاعر وتخفي دموعها فقط.
وتزيد: "أكثر ما كان يؤلمني حين يطلب من طفليه أن يعضّا يديه بأشدّ ما يملكان من طاقة، كي يبقى أثر العضة على يديه، وذكرى هذا الوقت القصير فترةً أطول".
وبعد معرفة الاحتلال بحمل رسمية عن طريق النطف المهربة، فإن أقسى إجراء وقع على قلب الجدة كان منعها زيارة نجلها، بل منعها أيضًا من مرافقة زوجته في رحلة مخاضها بمستشفى المقاصد.
فقدٌ قاتل عاشته الأسرة، في الأعياد والمناسبات وفي ليالي البرد القاسية التي تغمر فيها مياه الأمطار جدران المنازل متواضعة البناء. في يوم استلام طفليهما عبادة وعلي لشهاداتهما المدرسية، وفي أيام المرض أيضًا.. الأيام الأكثر قسوة، حينما يلحّان بالسؤال: "متى بده يطلع بابا؟".
"راكان وريان وعبد الرحمن ونجاح" أحلى انتصار بالنسبة لأمهم، هم العوض وثمن الصبر الذي دفعته على مدار سنوات اعتقال أحمد. "أنا الآن ممتلئة بالفرح، ممتلئة بشغف الانتظار لتحرر أحمد، فهو الطيب الحنون الذي لا يعرف إلا توزيع الفرح على كل العائلة. أنا من هنا أخبره أنني بانتظاره، أنا ومعي أربع هدايا جديدة. عائلتنا امتدت اليوم يا حبيب العمر وكل الحياة" تختم.
























