غزة:
تعيش غزة أحلى أيامها في فصل الصيف أمام شاطئ البحر، فهنا وحيثما ولّيتَ وجهك تجد عربةً لبيع الذرة! مشويةً أو مسلوقة أو بالفخّارة، بشطةٍ قليلة أو كثيرة، أو بالجبن الذي يذوب مع حرارة نار الحطب.. وحتى "سادة" بدون ملح لو كنتَ تحب.. كله حسب الطلب.
على كورنيش غزة، يخطف لون الذرة الذهبي قلوب الناظرين، وتنتزع رائحها حواسهم. لا يمرّ طفلٌ قرب أي عربة إلا ويطلبها، وقد يكرر الطلب ثانيةً عند عربةٍ أخرى! أمرٌ في صالح البائعين وهم من بسيطي الحال.
يحدثنا الشاب حمدي عليان (بائع ذرة) بأنه يعمل طوال العام، يبيع كميات كثيرة لكن ربحها قليل، وبرغم ذلك لا يفكر باستبدالها لأنه "يصنعها بُحب"، ويحب تناولها أيضًا، فهي فاكهة الصيف والشتاء بالنسبة لعشاقها.
ويزيد: "أسعد كثيرًا بالتقاط الزبائن صورًا لي أثناء إعدادي لها. صار لدي الكثير من الزبائن، وأصبحت معروفًا على تيكتوك".
يعمل حمدي عبر الكشك الخاص به منذ أربع سنوات، بعدما لم يحالفه الحظ في الثانوية العامة، فأخَذ يبحث عن سبيلٍ للرزق يساهم بتوفير دخل يومي لأسرته المكونة من تسعة أفراد.
يشير إلى أن العمل ليس سهلًا، إذ يتطلب الوقوف على القدمين لمدة تزيد على 12 ساعة، يتخللها فترات متقطعة من الراحة، في ظل مساعدة اثنين من أشقائه.

وبرغم كثرة الطلب، تعاني محاصيل الذرة في قطاع غزة هذا العام بسبب انخفاض أسعارها مقارنة مع تكلفة زراعتها والجهد المبذول فيها، هذا ما قاله المزارع حمدي مسلم.
مع بداية يناير، ينتشر عشرات المزارعين في أراضيهم لزراعة الذرة، التي تحتاج للمياه العذبة والكثير من العناية؛ لينطلق موسم حصادها في منتصف أيار/ مايو، وينتهي في تموز/ يوليو.
يضيف مسلم: "تُعرف الذرة بأسعارها المنخفضة، لكن لا أحد غير المزارعين يدرك بأنها تكلفنا أضعاف ربحنا ليصل سعر زراعة الدونم الواحد إلى نحو 2000 شيكل"، مشيرًا إلى أن الصندوق يباع بثمانية شواكل في العام الجاري، بينما كان يباع بـ15 شيكلًا في العام الماضي.
يُفسر بأن إنتاج العام يبدو وفيرًا جدًا مقارنةً بالمنصرم، "لكن النمو تأخر بسبب البرودة التي مرّت على البلاد، ومع ذلك فلا يتجاوز ربح الدونم 400 شيكل" يستدرك.

وتُعدُّ تربة منطقة بيت لاهيا شمالي قطاع غزة، الأنسب للذرة؛ لتميزها بالخصوبة، ووفرة المياه الصالحة لها، إذ تصل مساحات المحاصيل فيها أكثر من 1000 دونم.
وحول المعيقات الإضافية التي تواجه زراعة "الذهب الأصفر" كما يصفه الناس هنا، يخبرنا مسلم أن عدم تصديرها إلى خارج قطاع غزة بسبب الحصار الإسرائيلي يساهم في انخفاض سعرها أيضًأ، وعدم الحصول على الرحب الموازي لتكلفة الإنتاج، وذلك لعدم وجود مجالٍ لتسويقها في غير السوق المحلي.
يتفق معه محمد البراوي وهو تاجر محاصيل، إذ أكد أنه تضرر ماديًا في الموسم الحالي، تحديدًا مع ارتفاع أسعار الأراضي وتضمينها، إلى جانب تكاليف الزراعة.
ويردف بالقول: "بكل الأحوال هناك مطالبات مستمرة بتخفيض سعرها أكثر، وبالتأكيد الأمر مرتبط بتدهور الأوضاع الاقتصادية جراء الحصار الإسرائيلي الذي يؤثر مباشرة على الزبائن والتجار". مع هذا، تعدُّ الذرة في قطاع غزة "احتياجًا" أكثر منها فاكهة، أو مأكولًا يحبه الناس وفقط، بل قد يصل الأمر بعشاقها إلى وصفها بالعامية بقولهم: "مثلها مثل الماء بالنسبة إلي في الصيف".

























