القدس:
"حاصروا المعتكفين والمعتكفات داخل المسجد القبلي، وكسروا الشبابيك. اعتلوا السطح، وأطلقوا قنابل الغاز، ثم اقتحموا المسجد، واعتدوا بالضرب على النساء والرجال".
بهذه الكلمات، بدأت مسنة فلسطينية كانت تعتكف داخل المسجد الأقصى الليلة الماضية، شهادتها للصحافة، فما حدث لم يكن عاديًا، وقد عايشته لحظةً بلحظة، قبل أن يخرجها الجنود بالقوة، وكل من معها من المرابطين والمعتكفين الذين أصيب واعتقل منهم المئات.
السيدة المكنّاة أم محمد، التي جاءت خصيصًا من مدينة نابلس للاعتكاف في المسجد الأقصى، تضيف في شهادتها: "حوالي 100 شاب ضربوا، وقُيّدت أيديهم وأرجلهم، وألقوا على الأرض طويلًا وتعرضوا للضرب العنيف، وقنابل الغاز".

في تفاصيل ما حدث، فقد اقتحمت قوات الاحتلال بعد صلاة التراويح ليلة أمس المسجد الأقصى المبارك، وحاصرت المسجد القبلي حيث يعتكف آلاف الفلسطينيين، واعتلت سطحه وحطمت نوافذه التي استخدمتها كمراكز لإطلاق قنابل الغاز السام، والرصاص المعدني المغلّف بالمطاط، الأمر الذي أدى لإصابة المئات من المعتكفين والمعتكفات هناك، وإعاقة إسعافهم بسبب إغلاق الاحتلال الأبواب، ومنع سيارات الإسعاف من دخول الحرم.
وتداول روّاد مواقع التواصل الاجتماعي، مقاطع فيديو تم تصويرها من داخل المسجد وباحات الحرم أثناء الاعتداءات، تُظهر قطع الاحتلال للكهرباء على المصلين الذين واصلوا الصلاة، ثم اقتحام المسجد والاعتداء عليهم بالهراوات وسط إطلاق قنابل الغاز.
ويحاول المعتكفون الفلسطينيون، بتواجدهم المستمر والكثيف في المسجد الأقصى، حمايته من غدر المستوطنين الذين يبيتون النيّة لاقتحامه وذبح القرابين داخله، بحجة عيد الفصح اليهودي الذي يبدأ مع غروب شمس اليوم الأربعاء، ويستمر حتى 12 إبريل/ نيسان.

وكانت جماعات "الهيكل المزعوم" دعت إلى اقتحام المسجد الأقصى بالتزامن مع بداية الفصح، إلا أن هذا العام شهد أيضًا دعوات مكثفة لذبح قرابين العيد داخل باحاته.
ورصدت حركة "عائدون لجبل الهيكل" المتطرفة مكافأة قدرها 20 ألف شيقل للمستوطن الذي يتمكن من ذبح "قربان الفصح" داخل الحرم القدسي، ومبلغ خمسة آلاف شيقل لأي مستوطن يتم اعتقاله أو منعه من إدخال القربان إلى الحرم.

وأغلقت قوات الاحتلال طريق الواد في البلدة القديمة، وكثفت من تواجدها في أحياء البلدة، ودعت المستوطنين للتجمع بين الساعتين الثالثة والسابعة مساءً عند الأقصى؛ لتقديم القرابين.
وفي تصريحٍ لتلفزيون فلسطين، دعا رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتيه، إلى مواصلة الاعتكاف والصلاة ورفع الأذان في المسجد الأقصى، مؤكدًا أن الحكومة الفلسطينية تتواصل مع المجتمع الدولي والراعين وكل من له علاقة، لإيقاف العدوان، وإنهاء فكرة أن تكون الصلاة مقصورة على من لديه تصريح من الحاكم العسكري الإسرائيلي.
جنود الاحتلال الذين تواجدوا بكثافةٍ في باحات الحرم، وأفرغوه من المصلين، داهموا عيادة المسجد المركزية وحطموا محتوياتها، ولاحقوا المصلين حتى أجبر غالبيتهم على الخروج إلى مشارف البلدة القديمة، حيث تواصلت الاعتداءات أيضًا.
تقول المحللة السياسية ريهام عودة لـ"نوى": "ما حدث كان بسبب استفزاز المستوطنين لمشاعر المسلمين بإعلانهم عزم ذبح القرابين داخل المسجد الأقصى، دون مراعاة قدسيته، وحساسية شهر رمضان".
وتابعت: "بن غفير يحاول الترويج لأفكاره المتطرفة، التي شجعت على استمرار التطرف، الذي بات يترجم إلى اعتداءات على المصلين"، موضحةً أنه يروم بذلك لإيصال عدة رسائل، أولها سيطرته على الحرم القدسي، وثانيها قدرته على فعل ما يريد دون محاسبة من أحد.

وأكدت أن ما جرى هو ترويج لخطاب الكراهية ضد الفلسطينيين وتثبيت للعنصرية، ومحاولة من الاحتلال للخروج من أزمته الداخلية على حساب الشعب الفلسطيني، "بحيث يحرف الأنظار عن قانون القضاء الذي أراد نتيناهو تمريره وتسبب في موجة احتجاجات ضده".
ورغم انطلاق رشقة صواريخ من قطاع غزة الليلة الماضية صوب المستوطنات المحاذية للقطاع، إلا أن عودة استبعدت اندلاع مواجهة بين المقاومة في القطاع والاحتلال، "فمن الواضح أن هناك توافق داخلي بين فصائل المقاومة بأن لا يتم التصعيد من داخل القطاع، وأن تكون ردّات الفعل محسوبة، فالمعيار الإسرائيلي لاندلاع حرب هو سقوط قتلى من طرفه" تعقب.
وكان المحلل السياسي عزيز المصري، كتب في صفحته على "فيسبوك": "إن القرابين لن تذبح في المسجد الأقصى، وسيتم اعتقال كل من يحاول ذلك من قبل جيش الاحتلال، نفسه الذي ذبح المعتكفين، المشكلة ليست هنا، لأن الهدف الرئيسي تحقق منذ سنوات وهو تكريس وشرعنة التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى".
وتابع: "صباح كل يوم يقتحم المستوطنون المسجد الأقصى، ويؤدون طقوسهم التلمودية، ومن مسيرة الأعلام قبل عامين، فهم الإسرائيلي حدود الرد الفلسطينية"، مؤكدًا أن كثرة التهديد واستخدام المصطلحات الكبيرة في البيانات والخطابات أوصلتنا لهذه المرحلة، وأن "الحل لدى السلطة والفصائل، في إعادة صياغة استراتيجيتها لمواجهة الاحتلال كمنظومة احتلالية، بعيدًا عن ردود الأفعال الوقتية المعتمدة منذ عام 2009م".

وأشار إلى أن الرهان على الشعب الفلسطيني في القدس والداخل المحتل، في الأطر المسلحة ذاتيًا وفي الدعم الشعبي من غزة، "لحين يتفق من نصبوا أنفسهم قيادات، على استراتيجية نضال وطني وليس تكيتكي".
من جانبه قال ناجح بكيرات نائب رئيس الأوقاف الإسلامية بالقدس، إن الرسائل التي تود شرطة الاحتلال إيصالها من اقتحام المسجد تُختصر في توفير مساحة لمستوطني الاحتلال من أجل ممارسة طقوسهم التلمودية داخل المسجد الأقصى، وتثبيت الرواية التوراتية أمام الرواية الإسلامية، وإظهار السيطرة على المكان، وتدعيم وجود بن غفير عبر التأكيد على أنه قادر على تفريغ المسجد الأقصى في أي وقتٍ كان.
صباح اليوم اعتصم المئات من أهالي الشبان المقدسيين الذين تم اعتقالهم الليلة أمام مراكز شرطة الاحتلال، مطالبين بإطلاق سراح أبنائهم، وبينما تتواصل دعوات المستوطنين لاقتحام المسجد الأقصى، يصرّ المقدسيون على مواصلة الصمود والمواجهة حماية للمقدسات الإسلامية.
























