شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م17:58 بتوقيت القدس

عن تطبيق الحد الأدنى للأجور بـ "غزة"..

"يوميتك 7 شواقل.. وإذا مش عاجبك في ألف غيرك"

08 نوفمبر 2021 - 08:55

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

سهى وسعاد وماريا، ثلاث فتيات تناوبن على العمل في ذات المكان. كلما انتهت فترة ثلاث شهور من عمل إحداهن، قررت مديرة المركز أن تستبدلها بأخرى، بأجر 20 شيكلًا في الأسبوع!

قد يظنُّ البعض أن هذا –بعيد عن الواقع- لكننا في "نوى" نؤكد لكَ صديقنا القارئ أنه حدَث، وما زال، في أحد المراكز التجارية التي تبيع الملابس النسائية ومستحضرات التجميل بغزة.

عمال وعاملات بغزة  لا تزيد أجورهم الشهرية على 400 شيقل

تقول إحدى الفتيات: "دخل المركز اليومي يزيد على ألف شيقل، وفي بعض الأشهر الموسمية يصل مردوده لألف دولار يومًا. المشروعُ ناجح ومعدل البيع مرتفع وجيد، ولكن لم أكن أعرف كيف يمكن أن أضمن حقي أو أن أطالب برفع الأجر؟ فالأمر ببساطة سينتهي بطردي واستبدالي".

أما الشاب محمود أسعد الذي يعمل في محلٍ لبيع الدواجن، فيلقي بالمسؤولية على كاهل مسؤولي قطاع غزة "الذين يرون في الحصار حجة لعدم تطبيق أي قانون، وعدم استرداد أي حق" على حد تعبيره.

ويتساءل: "لماذا يطبق قانون الحد الأدنى للأجور في الضفة الغربية ولا يطبق في غزة، إذا كان الوضع الاقتصادي لا يسمح، فلتدرس كل حالةٍ بشكل منفرد، أنا أتقاضى سبعة شواقل يوميًا مقابل عشر ساعات من العمل المتواصل! هل هذا عدل؟".

ويضيف أسعد مخاطبًا المسؤولين: "إذا كنت لا تطبق القانون كما في الضفة، فاصنع لي قانونًا خاصًا، وجهني للطرق التي تضمن جزءًا من حقي، ما يحدث مع العمال هنا استغلال، هذا بخلاف التهديد الذي استمع إليه يوميًا من صاحب العمل.. إذا ما بدك اترك، في ألف غيرك".

قانون للضفة

وفي أغسطس/ آب الماضي قررت الحكومة الفلسطينية رفع الحد الأدنى للأجور في جميع القطاعات إلى 1880 شيقلًا، بزيادة 30% عن الحد الأدنى السابق (1450) المعمول به منذ عام 2012م.

وبالرغم من أن تطبيق القرار سيبدأ مطلع عام 2022م، إلا أن بوادر تطبيقه في قطاع غزة لا تبدو واردة البتة، ولا يُحكى فيه مطلقًا، فإلى أي حد يمكن أن يكون تطبيق قرار رفع الحد الأدنى للأجور مستحيلًا؟ وهل يمكن لوزارة العمل أن تمسك العصى من المنتصف بسن قانون خاص يحفظ للعاملين بغزة، الحق بحياة كريمة؟

حجة "الوضع لا يسمح"

تشير الأرقام المرصودة إلى أن الحد الأدنى للأجور المطبق في قطاع غزة هو 655 شيقلًا، وفي الضفة 1142 شيقلًا، لكن هذه الأرقام تبدو غير واقعية مطلقًا على الأغلب، فمعظم العاملين الذين قابلتهم معدة التقرير في غزة، لا تزيد أجورهم على 600 شيقل.

ففي رياض الأطفال لا يزيد راتب العاملات على 100 دولار شهريًا –إلا من رحم الله- وأحيانًا قد يزيد هذا المبلغ أو ينقص تبعًا لمزاجية ووضع المؤسسة التعليمية، هذا عدا عن عدم التزام أيٍ من القائمين على العمل، بدفع الرواتب بشكل منتظم.

تقول إحدى المربيات في أحد دور الحضانة: "كل شيء في غزة خُصِم إلى النصف، رواتب السلطة، ورواتب موظفي حكومة غزة، وهذا جعل من أسطوانة: "الوضع لا يسمح" حجة جاهزة لكل صاحب مشروع".

وتتساءل عن قصور وزارة العمل في متابعة هذا الملف، وغيابها عن زيارة المؤسسات والشركات الكبرى، والمدارس الخاصة، والمتاجر، وتقدير الإمكانيات المالية لهذه المؤسسات، وإذا ما كان بمقدورها دفع الأجور الشهرية بما يوفر لنا حياة كريمة أم لا؟ قائلةً: "أظن أن الوزارة تستطيع أن تعرف وضع المؤسسة بسهولة، إذا ما أقدمت على مثل هذه الخطوة".

وتنص المادة (86) من قانون العمل على أنه "يشكل مجلس الوزراء لجنة تسمى لجنة الأجور، لدراسة السياسات العامة للأجور، وتقديم توصيات لمجلس الوزراء لتحديد الحد الأدنى لها، بما يتلاءم مع وضع السياسات العامة".

السؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل درست وزارة العمل أوضاع السياسات العامة، وسمحت بأن يكون أجر الفرد العامل سبعة شواقل إلى عشرين شيقلًا يوميًا؟ (أي براتب لا يتجاوز 400 شيقل شهريًا)!

واقع مختلف لكنه قيد الدراسة

رئيس الاتحاد العام للعمال، سامي العمصي، لفَتَ إلى أن النقابة تدرك منذ القرار الأول لرفع الأجور بأن غزة لن تطبقه، نظرًا لفروقات الدخل بين الضفة وغزة.

العمصي: الحكومة بغزة غير ملتزمة فكيف ستطالب الشركات؟!

وقال لـ "نوى": "ظل القرار حبرًا على ورق، وطالبنا بذلك منذ سنوات ولأكثر من مرة، ووعدونا بتطبيق حدٍ أدنى يتناسب مع الأوضاع في غزة، لكن حتى اللحظة لا جديد".

ويرى العمصي أن الحق العام يتطلب متابعة حكومية، وتفتيشًا دائمًا لوقف استغلال العمال، مستدركًا: "المشكلة أن الحكومة في غزة لا تدفع لموظفيها أكثر من 1200 شيقل، فكيف سيتلزم أصحاب المؤسسات والمشاريع الخاصة بدفع 1500 شيقل كحد أدنى للأجور إذًا؟".

ويشدد العمصي على أن الأمر لا يقتصر على الأجور، إذ أن الكثير من حقوق العاملين تنتهك، وعلى رأسها زيادة ساعات العمل، ملفتًا إلى أن "الفكرة قائمة منذ سنوات، وهناك نوايا للشراكة مع وزارة العمل للبدء بتنفيذ قرار مشابه لقرار الضفة، بما يتناسب مع أوضاع غزة (..) الأمر قيد الدراسة".

"العصا من النصف"

وتعترف وزارة العمل في غزة بعدم قدرتها على تطبيق القانون، إذ يقول طلعت أبو معيلق مسؤول الإدارة العامة والتفتيش: "نُقر بحقوق العمال، وأن يكون هناك حد أدنى للأجور، وهذه القضية الأولى على سلم اجتماعاتنا"، مستدركًا: "لكننا كلما اقتربنا من اتخاذ قرار؛ نصطدم بعوامل خارجية تعيق تطبيقه، كعدوان جديد، أو إغلاقات معابر، أو حصار من أي نوع يؤثر سلبًا على أوضاع المنشآت التجارية".

وزارة العمل بغزة: يدنا ليست مطلقة والوضع الاقتصادي يحكمنا

ويلفت إلى أن هذه المعيقات الدخيلة "تؤثر في المنشآت، وفي الغالب لا يوجد عقود بين العامل ورب العمل حتى تحفظ حقه".

ويرى أبو معيلق أن العمال أيضا يتحملون المسؤولية، "فنحن نتمنى أن يأتينا عامل ويقدم شكوى وسنضمن له السرية كاملة"، مشيرًا إلى أن قيام الوزارة بعمل موائمة بين عمال النظافة، والشركات التي يعملون لديها ليضمنوا أجرًا للعامل لا يقل عن 700 شيقلًا.

ويطمح أبو معيلق إلى "إمساك العصا من المنتصف" بحيث يكون هناك قرار بحد أدنى ألف شيقل في حال لم تستطع غزة تطبيق القانون كما في الضفة، "وحتى لا ينتهك حق العامل بأجر لا يضمن حياة كريمة، ولكي لا يبقى الأمر دون ضبط".

وعن دور الإدارة العامة للتفتيش يؤكد أبو معيلق أن هناك عمال يتقاضون –بالفعل- من سبعة إلى عشرة شواقل في اليوم، ويعلق بالقول: "أنا إيدي مش مطلوقة" والوضع الاقتصادي هو المتحكم فينا.

ويوجه أبو معيلق رسالة إلى كل عامل مفادها: "توجهك إلى وزارة العمل يضمن لك الحق بكل سرية، نحن سنساعدك في توقيع عقد لحفظ الحقوق، ولكن حتى اللحظة لا نستطيع إلزام المؤسسات بالحد الأدنى للأجور، لعدم وجود قرار بتطبيق القانون في غزة".

كاريكاتـــــير