جنين :
على طرف الشارع المقابل لمديرية "صحة" مدينة جنين، شمال الضفة الغربية، تقف مي زيد مع والدتها. بصوتٍ مسموع، كانت تحاول إقناعها بالدخول إلى العيادة لتلقي الجرعة الثانية من لقاح كورنا.
والدتها تبلغ من العمر (57 عامًا)، وقد تلقت الجرعة الأولى من اللقاح المضاد لفايروس كورونا بعد أن توجهت لمركز التطعيم في مدينة جنين، إلا أن الأمور انقلبت رأسًا على عقب قبيل موعد الجرعة الثانية بوقتٍ قصير.
تقول مي لـ "نوى": "بعد ما نشر عن صفقة اللقاحات منتهية الصلاحية، التي أُبرمت بين السلطة ودولة الاحتلال في منتصف يونيو/ حزيران الماضي، تراجعت عن فكرة استكمال التطعيم". تكمل الشابة التي بدا التعب واضحًا في نبرة صوتها: "صارت مقتنعة بأن كل اللقاحات تالفة".
ليست أم مي الوحيدة التي قررت مقاطعة التطعيم، منذ انتشار خبر تزويد "إسرائيل" لوزارة الصحة الفلسطينية، بـ90 ألف جرعة من لقاحات "فايزر"، تنتهي صلاحيتها خلال أيام.
يروي المصور الصحفي محمود خلاف، الذي ذهب لتلقي اللقاح في رام الله، ما حدث معه، فيقول: "دخلنا إلى مركز التطعيم الذي تم نقلة لمركز المدينة، كنوعٍ من التسهيل والتشجيع على تلقي اللقاح، وكنت مع زميلي وحدنا، بينما العاملين ينتظرون في قاعة فارغة تمامًا".
وزارة الصحة الفلسطينية قالت: إنها عقدت صفقةً لسد النقص في توريد العدد المطلوب من اللقاحات من قبل الشركة المنتجة، وهي ليست تبرعًا من "إسرائيل"، كما أشيع، فيما أعلنت إعادة قرابة 90 ألف جرعة من اللقاح المذكور إلى "إسرائيل" لاقتراب تاريخ انتهاء صلاحيتها
من الوقت الذي وصلت فيه وهو نهاية حزيران/يونيو الماضي.
بالتزامن، دولة الاحتلال خرجت عن صمتها لتؤكد أنها عقدت اتفاقيةً مع السلطة الفلسطينية، توفر من خلالها بين مليون، ومليون و400 ألف جرعة من لقاحات شارفت صلاحيتها على الانتهاء، مقابل حصول "إسرائيل" على نفس الكمية من اللقاح من الشركة المنتجة.
وحتى نهاية تموز/يوليو الماضي، فإن الأرقام تُبين أن "إسرائيل" التي بدأت حملات التطعيم مع نهاية كانون أول/ ديسمبر 2020، وصلت إلى حوالي 5 ملايين شخص تلقوا اللقاح.
النسبة متدنية
ومع مرور أكثر من عامٍ ونصف على تفشي الجائحة، وأكثر من 9 أشهر على بدء حملات التطعيم في بعض دول العالم، و6 أشهر على بدئه في فلسطين، يقول مدير عام "صحة" جنين د.وسام صبيحات: "إن المطلوب تلقيح قرابة 60% من الفئة المستهدفة للوصول إلى مناعة القطيع، لكن حتى مطلع آب/أغسطس، لم تصل النسبة لأكثر من 25-30% من الفئات المزمع تطعيمها".
وزارة الصحة الفلسطينية وفي نشراتها المحدثة يوميًا، أشارت إلى إن عدد متلقي اللقاح ضد فايروس "كورونا"، وصل حتى 7 آب/ أغسطس الجاري إلى 608,155 مواطنًا، بينهم 423,340 مواطنًا، تلقوا الجرعتين. ومن بين متلقي اللقاح 110,135 مواطنًا فقط من قطاع غزة.
يضيف د.صبيحات: "شهدنا في الفترة الأخيرة استقرارًا نسبيًا في عدد الإصابات ببعض المناطق، فمثلًا استقرّت الإصابات في محافظة جنين قبل عيد الأضحى، بين 10 إلى 13 إصابة يوميًا".
ويكمل: "وتوقعنا ارتفاعها خلال فترة العيد وما بعده، بسبب التجمعات، والأعراس، والسفر إلى الأردن، والبلدان المجاورة، وهذا ما حدث فعليًا، فعدد الإصابات يرتفع بشكل ملحوظ يومياً".
ويؤكد صبيحات أن "إقبال الناس على التطعيم تراجَعَ بعد إشاعة اللقاحات الفاسدة، ففي بداية التطعيم كان الإقبال أكثر من اليوم".
وتابع يقول: "انبرت ألسنتنا لإقناع الناس بضرورة أخذ اللقاح ومحاولة إقناعهم بأنه آمن"، منبهًا إلى أن الوزارة تؤدي دورها في الترويج لتلقي اللقاحات من خلال البرامج التلفزيونية، والإذاعية، وورش العمل، والندوات الصحية، وعبر المراكز النسوية، والتجمعات الشبابية، وغيرها.
عزوف الشباب
وترفض نسبة لا بأس بها من الشباب أخذ اللقاحات منذ بداية وصولها إلى فلسطين، "وهؤلاء يعزون رفضهم لقناعاتهم حول الجائحة أساسًا، وجدوى اللقاحات ومفعولها، ومضاعفاتها لاحقًا".
أحمد فاروق (23 عامًا)، يرفض أخذ أي نوع من اللقاحات المضادة لـ"كورونا"، ويبرر رفضه بأن الفايروس لا يتمكن من الأجسام الشابة القوية. ويقول: "كل اللذين تأثروا من الفايروس هم من ضعاف البنية، أو أصحاب الأمراض السابقة، لذا لا داعي لأخذ اللقاح بما أن جسمي قوي".
يشاركه الرأي زميله زيد فاروق الذي قال: "الجسم قادر على الدفاع عن نفسه ضد الفايروسات التي تصيبه، وفكرة إنتاج لقاحات بسرعة، وبطرق غير معروفة إلى الآن، تعطي انطباعًا بعدم الراحة إزاءها".
ويضيف: "سمعنا وقرأنا عن حالات في "إسرائيل"، وجنين، وبعض مناطق الضفة، تلقت اللقاح ثم حدثت لها مضاعفات في القلب والتنفس، عدا عن حالات حول العالم عانت من جلطات بعد التطعيم، لذا لن آخذ أي نوع من أنواع اللقاحات خصوصا "فايزر المنتهي الصلاحية".
ارتفاع نسبة الرافضين
باسم خوري، ممثل قطاع الصناعات الدوائية الفلسطينية في لجنة التحقيق بـ"صفقة فايزر" المشكّلة من قبل الحكومة، قال لـ "نوى": "الخوف من اللقاحات موجود في عقلية الشارع الفلسطيني منذ بداية الجائحة، لكن هذا الخوف من آثار اللقاحات وتبعاتها الصحية، وانتشار الإشاعات حول فعاليتها، موجود في كل العالم أيضًا".
ويضيف: "مثلًا إشاعة أن لقاحات كورونا تُغير جينات الإنسان متداولة حتى في أمريكا، وإلى الآن، يرفض مؤيدو ترامب تلقي اللقاحات. أما فلسطينيًا، فواجهنا رفضًا من قبل شريحة كبيرة من الناس لتلقي اللقاحات مع بداية وصولها".
ويكمل: "ومما لا شك فيه أن هذا الرفض زاد مع "مشكلة صفقة لقاحات فايزر" بين وزارة الصحة الفلسطينية ودولة الاحتلال".
ورغم إعلان إرجاع اللقاحات –والحديث لخوري- إلا أن رفض تلقيها ما زال قائمًا، "ونحن نحتاج إلى حل كي نستطيع تخطي الجائحة، والمحافظة على المجتمع من انتشارٍ كبير للوباء" يزيد.
أعفت "إسرائيل" من المسؤولية
وكان تقريرٌ للجنة تحقيق شكلتها الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان في يوليو/تموز الماضي، خلص إلى أنه لم يكن هناك سبب مقنع من ناحية الحالة الوبائية في فلسطين، أو من ناحية عدد الجرعات الموجودة في مخازن وزارة الصحة، لعقد مثل هذه الاتفاقية.
كما أن "التوقيع عليها اتّسم بالاستعجال، ولم يأخذ بتوصية مدير عام الصحة العامة، بعدم التوقيع كون الاتفاقية تعفي "إسرائيل" من المسؤولية عن الجرعات، إضافة إلى استثناء قطاع غزة منها".
وتضمّن تقرير اللجنة "أن استلام اللقاحات لم يتم حسب البروتكولات الفنية المعمول بها في التعامل مع المواد الطبية الحساسة، حيث تم تكليف شخص غير مختص، وليست لديه الخبرة أو التأهيل اللازم بذلك، ولم يتم طلب الوثائق الضرورية التي تضمن سلامة وأمان الجرعات".
























