رفح:
كان الفلسطيني كريم نصر الله يبلغ من العمر "14 عامًا"، حين قَدِمت ناشطة السلام الأمريكية "راشيل كوري" برفقة مجموعةٍ من أصدقائها، للتضامن مع أهالي حي السلام بمدينة رفح جنوب قطاع غزة، ومنع جرافات الاحتلال الإسرائيلي من هدم بيوتهم، في مثل هذا اليوم تمامًا: 16/3/2003م، قُتِلَت راشيل!!
وفي تفاصيل الحكاية، فقد عمَدت قوات الاحتلال منذ اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000م، إلى تجريف بيوت المواطنين الفلسطينيين على حدود قطاع غزة، لتحويل هذه المناطق إلى أراضٍ فارغة تتحرك فيها دباباتهم وجرافاتهم صوب المدن.
كان كريم أحد سكان البيت الذي قتلت أمامه "راشيل" وهي واحدةٌ من نشطاء السلام الدوليين ضمن حركة التضامن العالمية، طفلًا حين بدأت جرافات الاحتلال بهدم بيوت المنطقة نهاية عام 2002م، لكنه يتذكر جيدًا كيف جاءت "راشيل"، وقضت معه ومع أخته وقتًا أطول بحكم أن بيتهم كان في آخر قائمة الهدم، يقول: "أحببناها جدًا، وهي أحبتنا، وكتبت هذا في رسائلها إلى عائلتها، كانت لطيفة وودودة".
يعمل حاليًا كريم مديرًا لمؤسسة "راشيل كوري" للعدل والسلام، التي أسستها والدتها "ساندي كوري" بعد استشهاد ابنتها في رفح.
كريم يؤمن بضرورة إحياء ذكرى صديقتهم التي قطعت كل هذه المسافات من موطنها في الولايات المتحدة الأمريكية، لتموت هنا تحت عجلات جرافة، وواجهت كل هذا الخطر من أجل قضيةٍ آمنت بها.
شقت ابتسامة حزينة طريقها إلى شفتيه وهو يكمل: "كنا نحاول تعليمها العربية، نعرّفها أسماء الخضراوات والفواكه والأشياء الشائعة واليومية، بينما هي بدأت بتعليمي أنا وأختي اللغة الإنجليزية".
كانت الشابة ذات الـ 23 ربيعًا، "جدعة" على حد وصف كريم، وطيبة جدًا لا تفارقها الابتسامة، جابت تقريبًا كل البيوت التي تعرّضت للهدم، ولكن أكثر العائلات التي تعاملت معها هي عائلة نصر الله صاحبة آخر بيت.
"كان الأمر مرعبًا بالنسبة لنا، كنا وحدنا في بيتنا المتبقي من بيوت المنطقة المجرفة، نتعرض بشكل دائم لإطلاق النار واقتحام الجنود للبيت، كانوا يريدون طردنا، حاولنا الصمود أكثر، راشيل كانت معنا وواجهت كل هذا الخطر والخوف" يضيف كريم.
ويتابع: "تقدّمت جرافات الاحتلال صوب البيت، الطريقة كانت مهينة بالنسبة لنا، راشيل وزملائها تقدموا، صرخت في وجوههم من أجل وقف التقّدم، لم يستجيبوا، لم أكن حينها معهم، عرفت بأنها أصيبت، واتصلت بالإسعاف وأخبرتهم، كنت طفلًا فظنوا بداية الأمر أنني مزح، أمسك عمي السماعة وأخبرهم بأن يأتوا بسرعة، عندما وصلوا كانت راشيل قد فارقت الحياة".
في المكان حيث داست جرافات الاحتلال راشيل، اعتاد نشطاء وناشطات، إحياء ذكراها بوضع أكاليل الورود، "صحيحٌ أن البيت هُدم، ولكن القيم التي ماتت من أجلها راشيل ظلّت في قلوب كل من عرفها" يعلق كريم.
ذكرى راشيل ما زالت حاضرة في بيت عائلة نصر الله التي تنقّلت لاحقًا بين عدة بيوت بالإيجار، حتى استقر بهم الحال في الحي السعودي عام 2014م، حيث مُنِحوا شقة سكنية ضمن مشروع إسكان.
والدا راشيل تقدما بشكوى قضائية لدى محاكم الاحتلال الإسرائيلي، وفي جلسة محكمة عام 2015م، ادعى سائق الجرافة أنه لم يشاهدها، في حين أكد زملاؤها النشطاء أنها كانت واضحة للجرافة، وأنه تعمّد دهسها.
والدا راشيل وجها نقدًا لاذعًا للحكومة الأمريكية، التي تدعم الاحتلال حتى في قضية راشيل، لكنهم أصرّوا على التمسك بحقها.
والدتها السيدة ساندي كوري، أسست بعد وفاتها مؤسسة "راشيل كوري" للعدل والسلام، وهي مؤسسة خيرية أمريكية تقدم الدعم للشعب الفلسطيني، يدير المؤسسة في قطاع غزة كريم نصر الله الذي أصبح الآن شابًا خطا إلى العقد الثالث من العمر حديثًا.
ويحتضن مركز البرامج النسائية برفح، منذ 6 سنوات بطولة راشيل كوري الدولية لكرة القدم، تقول نجاح عياش مديرة المركز: "كمركز نسوي، نحن لنا سابقة في احتضان أنشطة رياضية متعلقة بكرة القدم، وأهمها بطولة أقيمت إحياءً لذكراها، فهي دافعت عن بيوت الكثير من النساء اللواتي يترددن على المركز".
في كل عام ينفذ المركز بالتعاون مع مؤسسة راشيل كوري فعاليات إحياء لذكراها، تبدأ من ذكرى وفاتها في 16/3 حتىالعاشر من نيسان/ إبريل، تاريخ ميلادها عام 1979م، حيث تختتم بعيد ميلاد لها وفقًا للعمر الذي كان يفترض أن تبلغه.
وتوضح عياش: "ننفذ منذ خمس سنوات مهرجان ربيع السلام، وهو احتفال تراثي فلسطيني بالتعاون مع مؤسسة راشيل كوري للعدل والسلام التي تديرها والدتها، وفي أيام الفعاليات نوجه رسائل أننا شعب يريد العيش بسلام، ورسائل لروح راشيل التي ما زالت نضالاتها في مواجهة الاحتلال تعيش في قلوبنا".
في عيد ميلادها يتعامل الجميع مع الأمر وكأنها على قيد الحياة، فالقيمة الإنسانية التي أضافتها الشابة الأمريكية، تجعل كل فلسطيني يشعر على الدوام بالامتنان لروحها، وعادةً يحضُر أصدقاء لها هذه الفعاليات خاصة أنها تنفذ بتبرعات من الشعب الأمريكي، كما تؤكد عياش.
18 عامًا على رحيل راشيل، ولم يُحاكم قاتلها بعد! لكن كل شخص غرس غصنًا في مكان مقتلها وكل فلسطيني عايش تلك اللحظة التي حُمِلَت فيها ملطّخة بالدماء لا يمكن أن ينسى الحديث لأبنائه عن تلك الشابة، التي أفنت أجمل أيام حياتها من أجل قضية الشعب الفلسطيني الذي لن ينساها.































