شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 05 يونيو 2026م12:35 بتوقيت القدس

"نباشون" في قفص الاتهام..

المكب يشتعل.. غزّة تتجرع "سُمّ" حريقٍ جديد

18 ديسمبر 2020 - 22:11
صورة لنباشين وسط الدخان / مصدر الصورة بلدية غزة
صورة لنباشين وسط الدخان / مصدر الصورة بلدية غزة

جحر الديك:

سريعًا، هرولت أم محمد أبو عيادة صوب نوافذ بيتها الواقع شرق قرية جحر الديك جنوب شرق مدينة غزة، لتُحكِم إغلاقها في محاولة يائسة لمنع أعمدة الدخان المنبعثة من مكبّ النفايات المشتعل شرق المنطقة من الدخول عبرها.

"سمومٌ قاتلة تجتاح رئاتنا مع كل حريق يندلع في المكب"، تقول السيدة لـ"نوى"، تعقيبًا على واحدٍ اندلع فيه مؤخرًا، مضيفة: "يحدث ذلك بين فترةٍ وأخرى، يندلع حريق، ولا ندري ما السبب! كل ما نعرفه أن حياتنا تتوقف فترةً من الزمن، في كل مرةٍ يحدث فيها ذلك".

ويستقبل مكب نفايات غزة، قرابة 1200 طنًا من النفايات يوميًا، غالبيتها من مواد عضوية قابلة للاشتعال، ما يجعله عرضةً دائمةً للحرائق، وسببًا في انتكاسات صحية كبيرة، تصيب سكان المنطقة بكافة فئاتهم العمرية.

أم محمد، وهي أمٌ لسبعة أبناء بينهم طفلتين بعمر (7) و(8) سنوات، تعاني من حساسيةٍ في الصدر، والتعرض لدخان المواد المشتعلة يزيد وضعها سوءًا، حتى يصل بها الحال إلى الدخول في حالة ضيق تنفس وسعالٍ مستمر، تعقب بقولها: "هناك خطر حقيقي يحدقُ بالنساء والرجال الذين يعانون مشاكل الحساسية التنفسية، وأنا مثالٌ حيٌ أمامكم".

أم محمد: مهما كان إغلاق النوافذ محكمًا، فإن رائحة الأدخنة المنبعثة من النفايات المحترقة تدخله

"رغمًا عني أمنع ابنتَيَّ من اللعب في الشارع، إحداهن تعاني مثلي من الحساسية، ولو تعلمون قدر الحزن الذي أشعر به جراء ذلك"، تتابع حديثها، وتكمل: "مهما كان إغلاق النوافذ محكمًا، فإن رائحة الأدخنة المنبعثة من النفايات المحترقة تدخله".

زوجها أبو محمد يعي تمامًا ما تعانيه زوجته وأبنائه، ويكاد يجزم بأن أعمدة الدخان تمتد لتصل مناطق أخرى شرق مدينة غزة، ليس فقط جحر الديك، ناهيك عن تأثيرها المباشر على الزراعة.

يقول: "في البيوت، مهما حاول الناس إغلاق النوافذ؛ فلا نجاة من رائحة الدخان غير العادية، كونها تحدث بسبب احتراق النفايات".

ألسنة الدخان تصاعدت قبل ثلاثة أيام بسبب حريق المكب، فوصلَت إلى وسط مدينة غزة، وفقًا لشكوى المواطن خليل الداهودي، الذي يسكن منطقة الرمال الجنوبي، إذ قال: "نعاني كثيرًا بسبب  تجدد انطلاق ألسنة الدخان المنبعثة من حرق النفايات فوق منطقتنا، أحيانًا أسمع أن السبب هو حرق مكب نفايات شرق غزة، ومراتٍ أخرى أسمع أن السبب حريقٌ في محطة نفايات شارع اليرموك، القريب من منطقتي".

وبكل الأحوال تبقى المسألة مزعجة، في ظل إجباره الأطفال في بيته على عدم الخروج حتى إلى سطح المنزل للعب، خوفًا عليهم من الغازات السامة.

أبو عمرو: البلدية تحث المواطنين على عدم حرق النفايات في المكب، ولكنني أتساءل: كيف يصلون إلى المكب إذا كان يقع في منطقة أمنية على تماس مع الاحتلال؟

تمامًا، هي ذاتها شكوى الصحفي الفلسطيني عامر أبو عمرو، الذي يسكن منطقة الشجاعية القريبة من جحر الديك، يقول لـ"نوى": "هي مشكلة تتجدد كل عدة أشهر، والبلدية عادة تحث المواطنين على عدم حرق النفايات في المكب، ولكنني أتساءل: كيف يصلون إلى المكب إذا كان يقع في منطقة أمنية على تماس مع الاحتلال؟!".

ويضيف: "أنا أسكن في الشجاعية وأعمل في وسط غزة، ومن مكان مكتبي في الطابق الحادي عشر أستطيع مشاهدة السحب الداكنة أعلى البيوت، وأشمّ رائحة الدخان، فكيف حال من يسكنون مناطق الزيتون وجحر الديك وهم الأقرب؟".

ويعتب أبو عمرو على بلدية غزة، التي لم يخاطبها بشكلٍ رسمي (وفق تأكيده) بل اكتفى بكتابة منشورٍ عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك"، ردّت عليه (البلدية) بشكلٍ نموذجي، متساءلًا بصفته مواطنًا لا صحفيًا: "كيف للبلدية أن لا تعرف حتى اليوم من المسؤول عن حرق مكب نفايات جحر الديك؟ أو على الأقل مسببات حرائقه؟".

يجيبه المهندس أحمد أبو عبدو منسق الإدارة العامة للصحة في بلدية غزة، بقوله: "النباشون هم سبب اندلاع الحريق الأخير، الذي يعدّ الأكبر، فهو أتى على مساحة نصف المكب المقدّرة بـ 100 دونم، وهناك صعوبة شديدة في السيطرة عليه، إلا أن المحاولات جارية منذ يومين حتى الآن".

وأكمل يقول: "صور لنحو 100 نباش، أتوا إلى المكب الذي يدخلونه من الجهة الجنوبية التي نسميها الكسارات؛ بغرض أخذ الحديد والألومنيوم بعد حرق المكب الموجود في منطقةٍ مفتوحة، ويمكن دخوله من عدة جهات".

حريق مكب جحر الديك، يعد الخامس منذ بداية عام 2020م، ويؤكد أبو عبدو أن المجلس البلدي الجديد، حاول تسخير إمكانياته للقضاء على هذه الظاهرة الخطيرة، "التي تهدد كل المكبات، وليس فقط مكبات مدينة غزة، التي يستقبل الرئيسي فيها أكثر من 1100 طن يوميًا، يتم التخلص منها عن طريق الطحن"، ملفتًا إلى أن هذا المكب قابلٌ للاشتعال ضمن عوامل مساعِدة، منها حركة النباشين وممارساتهم غير المنضبطة.

ويكمل: "النباشون يعملون في المناطق التي تكون مفتوحةً لاستقبال النفايات، وهي عادة مناطق رطِبة ومحتواها مائي بنسبة 80%، وتكون مشتعلة ضمن عوامل، منها الاحتكاك وحركة النباشين أنفسهم"، مطالبًا الشرطة ببذل جهودها لمنع النباشين من هذه الممارسات المخالِفة، التي أفرزت أيضًا ظواهر جديدة مثل سرقة أغطية المصارف في الشوارع وحرق الحاويات.

أبو عبدو: هذا المكب قابلٌ للاشتعال ضمن عوامل مساعِدة، منها حركة النباشين وممارساتهم غير المنضبطة

ويوضح أن عمالًا من البلدية تعرضوا للإغماء خلال محاولة إخماد الحريق الهائل الذي اندلع قبل ثلاثة أيام، وأن بعضهم تعرضوا لمشاكل صحية سابقًا للسبب ذاته، بل وتم الاعتداء عليهم بالأسلحة البيضاء من قبل نباشين.

من جانبه يقول الخبير البيئي د.أحمد حلس: "إن مكبات النفايات تتعرض للاحتراق لأن 65% من محتوياتها هي مواد عضوية نتيجة الفقر وشح الموارد التي تغيّر خصائص النفايات لدى الدول الفقيرة، وتحلل هذه المواد العضوية نتيجة الضغط والحرارة ينتج غاز الميثان القابل للاشتعال نتيجة الحرارة، وإلقاء أعقاب السجائر من قبل النباشين، وأحيانًا ممن يجمعون القمامة في سيارات النقل".

حلس: خطورة هذه الحرائق أنها محملة بالمواد السامة والمسرطنة 

وأضاف: "مشكلة النباشين واحدة من أعقد المشكلات التي لم يتم إيجاد أي حلول لها حتى الآن، رغم الكثير من المحاولات، فهؤلاء كثيرًا ما يلقون أعقاب السجائر في المكب، وحين تندلع النيران تكون هناك صعوبة شديدة في السيطرة عليها، إذ يتحول المكبّ إلى ما يشبه بئر النفط"، منوهًا إلى أن الأمطار التي هطلت على مدار اليومين السابقين خففت من حدة الحريق قليلًا، "لكن هذه النيران في وقت الصيف لا تتوقف أبدًا، بل وفي عدة مكبات على مستوى مساحة القطاع".

ويحذر الخبير البيئي من خطورة الحرائق الناتجة عن النفايات، "فهي محمّلة بالمواد السامة والمسرطنة، فالنفايات تحتوي كميات هائلة من البلاستيك بكل أنواعه، وهي مجموعة من المواد المسرطنة، التي تنتج أكاسيد الكربون، وكلها مواد سامة لا رائحة لها، لكنها تُستنشق وتختلط بالدم، وتتسبب حدوث تخلّف عقلي".

ويكمل: "كل هذا بسبب أن النفايات تحتوي على مواد مختلفة من مخلفات المنازل، ما بين مواد عضوية وأجهزة هواتف وغيرها، التي يتسبب حرقها في إنتاج عناصر ثقيلة، تهبط بفعل الهواء إلى التربة، وتدخل المزروعات عن طريق عملية الري، ثم نجد لدينا الأعداد الهائلة من مصابات ومصابي السرطان".

بلدية غزة تورد بعض الصور لنباشين وسط الدخان 

كاريكاتـــــير