شبكة نوى | قطاع غزة:
هناك حيث أرضية الغرف –سيئة التهوية- من "الباطون"، البارد جدًا في فصل الشتاء، حطت سيارة "البوسطة" الإسرائيلية عند سجن "الدامون" تُقِل أسيرات إلى مستقرهن الجديد، الذي تحيط به أسوار عالية حجبت أشعة الشمس، ورائحة البحر القريب البعيد القادمة من عروسه "يافا".
في عام 2018م، بدأت سلطات الاحتلال بتجميع الأسيرات الفلسطينيات في هذا السجن، تحت ظروفٍ معيشية متهالكة، ليواجهن فيها وحدهن جائحة "كورونا" التي شغلت العالم بأسره، فجددت مفاهيم الأمن والسلامة الصحية، وضبطت محددات النظافة الشخصية، التي ترتكز بالدرجة الأولى على تهيئة الظروف الصحية من أجل الوقاية من خطر الإصابة.
أربع أسيرات خضعن نهاية سبتمبر/أيلول الماضي للحجر الصحي مدة أسبوعين، بعد مخالطة ممرض في عيادة السجن كان مصابًا بالفايروس، وهن: أنسام شواهنة، وأماني الحشيم، وليان كايد، وشروق دويات، حتى تبين أن نتيجة فحصهن سلبية.
وتقول والدة الأسيرة الحشيم: "إن إصابة نحو (120) أسيرًا في سجن جلبوع، عزز مخاوف وقلق العائلة، سيما مع تضارب الأنباء بشأن إصابة أماني وزميلاتها، فالتواصل معها ممنوع إلا عبر المحامية غير المسموح لها بالزيارة دوريًّا (..) ومنذ بداية العام لم نتمكن من زيارتها سوى مرتين، كما لا يوجد أي اتصال".
في عام 2018م، بدأت سلطات الاحتلال بتجميع الأسيرات الفلسطينيات في هذا السجن، تحت ظروفٍ معيشية متهالكة، ليواجهن فيها وحدهن جائحة "كورونا" التي شغلت العالم بأسره
تتابع الأم والحزن يأكل صوتها: "هذا العام ومنذ بدايته، حمل خيبة أمل جديدة لم تكن بحسبان الصغيرين (أحمد وآدم) اللذان حرما لسنوات من أمهما، وتربيا كتوأمٍ لا ينفصلان في بيتي"، مشيرةً إلى أن إدارة السجن أبلغتهم في يناير الماضي، بأن أحمد أتم عامه الثامن، ولن يستطيع مقابلة أمه بشكل وجاهي دون حدود.
وبأسىً بالغ، توضح والدة الأسيرة التي تقضي حكمًا بالسجن مدته (10) أعوام، بأن هذا الموقف من أقسى المواقف التي وضعت فيها كجدة، وأن جائحة كورنا زادت الطين بِلة حيث تقلصت دقائق الزيارة من (45) دقيقة لنصف ساعة فقط، وعدد الزائرين إلى اثنين من أصل خمسة (3 بالغين، واثنين من الأطفال)، متسائلة: "كيف لي أن التقي بابنتي بطفلٍ دون الآخر؟!".
الحال نفسه تعيشه والدة الأسيرة دويات، التي هيمن القلق والحزن على كلماتها المتثاقلة، فمنذ أيام دخلت الجريحة شروق عامها السادس في الأسر، في ظل ظروف معيشية صعبة زادت فيها معاناتها، بعد مع حرمانها من الزيارة مدة أربعة أشهر.
وأصيبت دويات في السابع من أكتوبر 2015م، بعيار ناري أطلقه مستوطنون على طريق الواد، المؤدي إلى أبواب المسجد الأقصى، وحكمت بالرغم من صغر سنها آنذاك، بالسجن لـ(15) عامًا، وغرامة مالية بقيمة (80) ألف شيقل.
تقول الأم: "بعد منع شروق من الزيارة لأربعة أشهر، سُمح لنا بزيارة غير وجاهية كل شهرين، أي من خلف الزجاج، ووسط تعقيدات أمنية، ومتطلبات لتسجيل اسم الزائر قبل الزيارة، وعدم التبديل، بحجة الحفاظ على سلامة الأسيرات، ولأسبابٍ واهية أيضًا، ألغيت زيارة أكتوبر الماضي".
وتشير الأم إلى أن مبعث خوف العائلة، هو تضارب الأنباء بشأن وضع الأسيرات الصحي، وانقطاع أخبارهن لنحو شهر، بسبب منع المحاميين من الزيارة بحجة "الأعياد اليهودية".
وتوضح أن الحالة التي يعيشها أهالي الأسرى عمومًا، والأسيرات تحديدًا، ليست عابرةً لظرف فيروس "كورونا"، "فطوال أعوامٍ ذهبت، وأخرى ستأتي، سنظل نخاف على أبنائنا الذين يعيشون في بيئة لا تصلح للحياة الآدمية".
وتضيف: "الواقع المعيشي في السجون سيء بسبب الرطوبة وغياب التهوية وعدم تعرض الأسيرات للشمس، وقلة مستلزمات الأسيرات في مقصف السجن، والإهمال الطبي المتعمد الذي يمارس كأداة ضغط، ثم أتت كورونا لتضيف همًّا جديدًا لنا، وهو قلة مواد التعقيم والتنظيف".
أحوال سيئة
في حين تُقر الأسيرة المحررة منى قعدان من مدينة جنين، بأن الأحوال في السجون سيئة وصعبة بلا استثناء، وأن زيادة عدد الأسيرات في القسم الواحد، يزيد من تعاسة الحياة بين جدران السجن.
وتقول: "في ظل جائحة كورونا، فإن الخطر الأشد على الأسيرات المصابات، اللاتي يعانين أصلًا من الإهمال الطبي، كما أن بيئة السجن غير الصحية تضعف المناعة، وتجعل الأسيرات أكثر عرضة للإصابة بالفايروس، عوضًا عن اضطرارهن للتعامل المباشر مع السجانات والسجانين، وخاصة ما يسمى بالعيادة، التي تفتقر للتعقيم الصحي للأدوات التي يتم استخدامها للأسيرات كافة، وكذلك للأسرى الجنائيين، لذا فالتخوف من إصابة الأسيرات بالفيروس كبير".
وأردفت قائلة: "ظروف الحجر الصحي التي خضعت لها الأسيرات لم تكن صحية، وما حدث هو مجرد عملية نقل من قسم الأسيرات إلى غرفة عزل منفردة، غير صحية، ولا يوجد فيها أي معايير للطبابة أو العناية الصحية، ولم يخضعن لأي فحص طبي ولم يقدم لهن أي علاج على الإطلاق".
دعوة للتحرك
في هذا السياق يؤكد الناطق الإعلامي باسم مركز أسرى فلسطين رياض الأشقر، أن الخطورة تضاعفت على حياة الأسيرات بعد انتشار جائحه "كورونا"، "فاستهتار الاحتلال بحياتهن –وحياة الأسرى عمومًا- وعدم توفير سبل الوقاية، يجعلهن عُرضة للإصابة بالفيروس"، منوهًا إلى أن سلطات الاحتلال استغلت الجائحة لوقف الزيارات عن الأسيرات منذ آذار/مارس الماضي.
ووجه الأشقر رسالةً إلى المجتمع الدولي، والمؤسسات الحقوقية -خاصةً التي تُعنى بقضايا المرأة- ووضعت معاهدات من أجل حمايتها بضرورة الالتفات إلى معاناة الأسيرات الفلسطينيات، وسماع صوتهن بشكل محايد، والتدخل لوقف كل أشكال التنكيل والتعذيب بحقهن، والعمل من أجل إطلاق سراحهن في ظل جائحة تضرب العالم.
مبنى "الدامون"، أُنشئ منذ زمن الاحتلال البريطاني لفلسطين، كمستودعٍ للسجائر، وبعد عام 1948 وضعت سلطات الاحتلال الإسرائيلي يدها على المبنى وحولته إلى سجن تهالكت بنيته التحتية على مر العقود
وذهب إلى القول: "إن صمت المؤسسات الدولية تجاه ما يجرى للأسيرات، يشجع الاحتلال على الاستمرار في ممارساته غير الإنسانية".
من الجدير ذكره، أن مبنى "الدامون"، أُنشئ منذ زمن الاحتلال البريطاني لفلسطين، كمستودعٍ للسجائر، وبعد عام 1948 وضعت سلطات الاحتلال الإسرائيلي يدها على المبنى وحولته إلى سجن تهالكت بنيته التحتية على مر العقود.
وكانت هيئة شؤون الأسرى أكدت الجمعة، أن 37 أسيرة يقبعن في "الدامون"، هددن بالبدء بخطوات تصعيدية ضد إدارة المعتقل؛ احتجاجًا على ظروفهن المعيشية والاعتقالية الصعبة والقاسية، ما لم يتم تنفيذ مطالبهن المتمثلة بـ: "إزالة كاميرات المراقبة من ساحة "الفورة"، والسماح لهن بإجراء مكالمات هاتفية مع الأهل، في ظل انقطاع الزيارات بادعاء ظروف جائحة "كورونا"، وإيجاد حل لقسم المعبار في سجن "الشارون"، حيث تحتجز فيه الأسيرات الموقوفات بظروف سيئة ولا إنسانية، وإصلاح المرافق التالفة في القسم، خاصة ساحة المعتقل، وطلاء أرضيتها بمادة مناسبة لمنع التزحلق".
وأرفقت الأسيرات ضمن مطالبهن أيضًا: "تقديم العلاج الطبي للمريضات منهن، كالأسيرة إسراء جعابيص المصابة بحروق وبحاجة لعدة عمليات، وأمل طقاطقة المصابة بخمس رصاصات وبحاجة لإجراء عملية لإزالة البلاتين من ساقها، والأسيرة إيمان الأعور التي تعاني من تضخم في الأوتار الصوتية، وروان أبو زيادة التي تعاني من أوجاع في الرقبة والمعدة".
























