شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 28 مايو 2020م01:13 بتوقيت القدس

ورشة رقمية عُقدت عبر "زووم"

"مسارات" يناقش "الاستراتيجيات الفلسطينية لمحاصرة الوباء"

18 مايو 2020 - 23:24

غزة:

"هناك ضعفٌ في التنسيق بين وزارة الصحة الفلسطينية والمنظمات الصحية الأهلية، ليس هذا ما كان متوقعًا من تلك المنظمات للمشاركة في مواجهة جائحة كورونا"، هذا ما خَلُص إليه مشاركون في ورشة نقاشٍ رقمية عقدها مركز الدراسات والتخطيط الاستراتيجي "مسارات" عبر تطبيق "زووم"، بعنوان: "الاستراتيجيات الفلسطينية للتحكم في تفشي وباء كوفيد 19".

وقدّم خبير الأوبئة الفلسطيني أ.د.يحيى عابد، ورقة الورشة الرئيسية، التي انقسمت إلى ثلاثة محاور: الأول، عالج مدة انتشار وباء (كوفيد- 19) في فلسطين، والثاني تمحور حول جاهزية القطاع الصحي الفلسطيني، ليتطرق المحور الثالث إلى التوصيات التي يمكن أن تساعد على اتخاذ قراراتٍ مدروسة للحد من تفشي الوباء.

وقال: "مؤسسات (الـ NGOS) شاركوا في اللجان الاستشارية، وساعدوا في مراكز الحجر الصحي، لكن ليس هذا ما كنا ننتظره فقط، إذ كان بالإمكان أن تُسند أعمال الحجر الصحي كاملةً للمنظمات الأهلية، في 29 مركزًا صحيًا موزعين على خمس محافظات، وأن يكون لهم مشاركة حقيقية في مواجهة الوباء".

رصد عابد ضمن ورقته تاريخ الأوبئة التي مرّت على فلسطين، بدءًا من "طاعون عمواس" في العهد الإسلامي، الذي أدى إلى وفاة 25 ألفًا حين انتشر في قريةٍ بين مدينتي القدس ورام الله، مرورًا بطاعون عكا، الذي انتشر بين جنود نابليون بونابرت، أثناء حصاره للمدينة عام 1799م، ما أدى إلى وفاة 2000 منهم، وصولًا إلى الأوبئة الحالية.

وتطرقت الورقة إلى تزايد نفقات القطاع الصحي الفلسطيني، الذي اعتمد مجموعة إجراءات لمواجهة الوباء تتلخص في: إجراءات التباعد الاجتماعي والنظافة الشخصية، وإغلاق المعابر، وإخضاع العائدين من الخارج للحجر الصحي الإلزامي، وإعداد مستشفى العزل الميداني لمواجه الطوارئ، والاكتشاف المبكر للحالات.

وعلى النقيض، كشفت الورقة عجزًا في عدد أجهزة التنفس الصناعي الموجودة لدى الوزارة، "فالمتوفر في كل مستشفيات الصحة 300 جهاز فقط في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة"، وزعت غالبيتها على المؤسسات الصحية الأهلية، يعلق: "في الضفة الغربية تملك وزارة الصحة 58 جهازًا، بينما في المراكز الأخرى 155، وفي قطاع غزة، تملك المستشفيات الحكومية 63 جهازًا، بينما تمتلك مؤسسات صحية أخرى 24 جهازًا".

أما عن التخطيط لمواجهة الجائحة، فقد أورد عابد أن الجهات الحكومية وضعت استراتيجية تعتمد على تطوير بروتوكولات علاجية بتقديرات مالية مرتفعة، تقارب 173 مليون دولار أمريكي، ولكن غاب عنها وجود لجنة مركزية تشمل كافة الشركاء الصحيين في فلسطين، مع وجود لجان تشمل التعليم والداخلية والأوقاف والإعلام، "وقد تمت مشاركة مزودي الخدمات الصحية، والجامعات، في اللجان الاستشارية، وإعداد بروتوكولات في الضفة، وأخرى في غزة، واقتصار المشاركة المجتمعية على نشاطات محدودة، مع ضعف التنسيق في دعم تمويل القطاع الصحي".

وأوصى عابد بضرورة الحث المستمر على سياسة التباعد الاجتماعي، وتشكيل قيادةٍ وطنية من القطاعات المختلفة لرسم سياسات التحكم في تفشي الوباء، ومواصلة تدريب الطواقم الطبية والصحية والمتطوعين، وتدريب فئات المجتمع على ارتداء الكمامة، والتركيز على المشاركة المجتمعية المبنية على الشمولية المتفق عليها، وإيجاد حلول جذرية لظروف العمل داخل الخط الأخضر.

المداخلات التي قدّمها الحضور، لم تخلُ من الحديث عن تبعات الانقسام السياسي، والفرق في القدرات الطبية بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وهو ما عرّج عليه عابد حين قال "نلحظ تبعات ذلك حتى في عدد الفحوصات".

تساؤلات الحضور تركزت بدورها، على قضية ربط الموازنة العامة بارتفاع حصة وزارة الصحة منها، ومدى تعلّقه بأولويات السياسات الحكومية تجاه الصحة، فيما أثيرت تساؤلات أخرى حول قدرتنا داخل قطاع غزة على العودة التدريجية إلى الحياة الطبيعية، وما إذا كانت إجراءات العزل كافية لمواجهة الوباء، إضافة إلى أسئلة فنية متعلقة بمنظمة الصحة العالمية ونجاعة إجراءات العزل والالتزام بارتداء الكمامة".

د.عائد ياغي مدير جمعية الإغاثة الطبية، قال في مداخلته: "إن موضوع الجائحة لم تستطع أنظمة كبيرة في دول متقدمة مواجهته، لكن إجراءات وزارة الصحة الفلسطينية كانت سريعة، رغم تأخر الاستجابة لحالة الطوارئ التي أعلنها الرئيس في قطاع غزة لأسباب سياسية".

وتطرق ياغي إلى موضوع الانقسام وتأثيره، الذي يضاف إلى الحصار والاحتلال، ونقص التمويل، فتبعاته- أي الانقسام- متعلقة بنقص الأدوية والأجهزة وعدد الطواقم البشرية "وهذه نقطة"، أما النقطة الثانية –يتابع- فمتعلقة بتوزيع موازنة وزارة الصحة على البنود المختلفة، خاصة وأن 35-40% منها يخصص للعلاج بالخارج وهي نقاط يجب الحديث عنها.

ويضيف: "رغم إعجابنا بما قامت به وزارة الصحة، إلا أن هناك إجراءات تمت متأخرة، ناهيك عن التخبط في القرارات الإدارية، والشواهد على ذلك عديدة، منها غياب المعلومة الدقيقة، وغياب الشفافية في النقل، سواءً فيما يتعلق بعدد أجهزة التنفس الصناعي، أو الفحوصات، أو التمويل الذي وصل والذي لم يصل"، مردفًا بالقول: "كما أن التنسيق مع المنظمات الصحية الأهلية ليس كبيرًا، كون القائمين على وزارة الصحة لا يؤمنون بالشراكة إلا عند الحاجة، مثل جمع التبرعات كما حدث في مراكز الحجر الصحي". رغم أن هذه المنظمات تقوم بدور مهم الآن، في ظل إغلاق وزارة الصحة لعدد كبير من مراكز الرعاية الأولية التابعة لها "التي تبقى منها 12 من أصل 52 مركزًا".

مداخلة أخرى للدكتور إسلام غانم تحدّث فيها عن ضرورة إلزام الاحتلال بتحمّل مسؤولياته تجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة، كما عرج إلى الحديث عن وجود نوعين من فيروس (كوفيد 19) حول العالم، بالتزامن مع نوعين من الإصابات، وقال: "نصف عدد المصابين عالميًا هم فقط من احتاجوا دخول المستشفى، ومنهم 10% فقط احتاجوا إلى أجهزة تنفس صناعي" منوهًا إلى اختلاف أيام الحجر الصحي التي يجب إقرارها كفترة حضانة للفايروس 14 يومًا أم 21؟!

د.عابد أفسح المجال واسعًا، أمام الإجابات عن الأسئلة الفنية، "فالالتزام بالكمامة مهم جدًا، وقد أثبت نجاعته، ولكن التزام الناس به في فلسطين صفر، حتى داخل أروقة وزارة الصحة نفسها، شارحًا استراتيجية "تسطيح المنحنى" التي يتم تداولها، والتي تعني إغلاق المدن التي يظهر فيها الفيروس كما حدث في "بيت لحم"، والتي لولاها لأصبح الكثيرون هناك نواةً للعدوى في مدنٍ أخرى أيضًا.

ورغم الخلاف في الموقف مع التصريحات المختلفة لمنظمة الصحة العالمية، إلا أن عابد يجزم بأن هناك ضرورة لاعتماد الدليل الطبي الخاص بها، والاستناد للأدوية التي توصي بها فقط، "فهذا أبسط مبادئ الطب، خاصة وأنها أكبر تجمع طبي علمي على مستوى العالم، ولا يجوز إقحام السياسة في عملها، فهذا الذي يجري بين الصين والولايات المتحدة على حساب البحث العلمي سيكون ضارًا" يكمل.

ورغم محاولات عابد الحديث في الشأن الطبي بشكل بحت، إلا أن السياسة كانت تقحم نفسها في كل تفاصيل الورشة، ولحسن حظه فهو يعمل مع اللجنة الحكومية الاستشارية التي تم تشكيلها لمواجهة الوباء في قطاع غزة، ومع لجنة الوبائيات في الضفة الغربية، وبالتالي هو مطّلع على الكثير من التفاصيل لدى الطرفين كما يؤكد.

وبضيقٍ يقول: "الانقسام موضوع حساس، أنا مطّلع على الطرفين، وكيف يسير الوضع لدى كل طرفٍ منهما، الأمر غير سار، لا بد أن نتوحد في مواجهة كورونا"، متابعًا: "أنا غير راضٍ، ولم أتجه في ورقتي لاتهام أي طرف، لكن من يطّلع على الأرقام سيجد فرقًا بين غزة والضفة، وقد وضعتُ ضمن أهم توصياتي ضرورة التئام لجنة علمية، تخرج ببروتوكول موحد نتلزم به جميعًا".

رغم ذلك، يبدو عابد مطمئنًا لأن حالة مصابي فلسطين ليست صعبة، "فحتى العشرون مصابًا في قطاع غزة لم تظهر عليهم أي أعراض، وبالتالي هم يعدون حاملين للفايروس فقط لا مصابين، أما الحالات في الضفة الغربية، فقد تم إدخال جميع المصابين إلى المستشفيات، رغم أن الأعراض لم تظهر عليهم جميعًا، وهذا كان نقاطة خلاف مع منظمة الصحة العالمية التي أقرّت الإدخال فقط لمن تظهر عليهم الأعراض".

ما يمكن قوله إن "حُسن الحظ" رافق الفلسطينيين، فالحالات التي ظهرت لا تحتاج حتى الآن إلى الإدخال للعناية المكثفة إلا فيما ندر، ولم ندخل أتون ما عانته الكثير من الدول التي انتشر فيها الفيروس بشكل أرهق نظامها الصحي، إلا أن الأمر الذي يتطلب المزيد من البحث والانتباه متعلق باستراتيجية العودة للحياة الطبيعية بعد العيد، فهي ستتطلب العديد من الإجراءات المشددة في كل القطاعات.