شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 03 ابريل 2026م00:32 بتوقيت القدس

دراما رمضان 2020..

بين المسح على رأسِ "إسرائيل" وحلم تحرير القدس

06 مايو 2020 - 11:51

القاهرة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

"إسرائيل موجودة عاجبكم ولا موعجبكم، ما ضيّع العرب كل هالسنين إلا القضية الفلسطينية"، لم يردد هذه العبارة إسرائيلي في وجه عربي، بل كانت جملةً في حوارٍ دراميٍ بين اثنين من الفنانين السعوديين ضمن حلقةٍ من مسلسلٍ يحمل اسم "مخرج ٧"، ويُبثُّ على قناة mbc خلال شهر رمضان الجاري.

يؤدي الفنانان وهما ناصر القصبي ونادر الشمراني، أدوار البطولة في المسلسل الاجتماعي الذي تطرق في إحدى حلقاته إلى العلاقة مع "إسرائيل"، وعكست بعض مشاهدها تأييدًا لإقامة علاقاتٍ اقتصاديةٍ وثقافيةٍ معها.

في أحد المشاهد، يؤدي الشمراني دور المؤيد للتطبيع مع "إسرائيل"، في حواره مع القصبي الذي يؤدي دور الرافض لذلك من خلال تذكيره بأن "إسرائيل" عدو، فيرد عليه الشمراني: "العدو هو من لا يُقدّر وقفتك معه، ويسبّك ليل نهار أكثر من الإسرائيليين.." في إشارةٍ إلى بعض الفلسطينيين الذين يسجلون اعتراضًا على سياسات المملكة.

على مسافةٍ واحدة من "مخرج 7"، يقف مسلسل "أم هارون"، الذي يقوم ببطولته فنانون كويتيون، الذي تبثه القناة ذاتها، ويتناول حياة اليهود في الخليج العربي، من خلال تسليط الضوء على قصة قابلةٍ يهودية تدعى "أم جان" وصلت إلى البحرين من العراق في أربعينات القرن الماضي، وجسّدت شخصيتها الفنانة الكويتية حياة الفهد.

تعرض المسلسلان لانتقاداتٍ كبيرةٍ بسبب محاولتهما تزييف الوعي العربي، حول أن "إسرائيل" كيان عدو يحتل بلادًا عربيةً اسمها (فلسطين)، بينما اليهود أقلية تعاني في الخليج العربي.

تعرض المسلسلان لانتقاداتٍ كبيرةٍ بسبب محاولتهما تزييف الوعي العربي، الذي تشكّلَ خلال عقودٍ طويلةٍ على أن "إسرائيل" كيان عدو يحتل بلادًا عربيةً اسمها (فلسطين)، بينما اليهود أقليةٌ تعاني في الخليج العربي، بطريقةٍ تثير التعاطف معهم، ويدعم الرواية الإسرائيلية "المزيفة" حول الإنسانية والتسامح والتعايش مع الأديان. وهو ما تؤكده المخرجة الفلسطينية امتياز المغربي، التي قالت لـ"نوى": "مسلسل "أم هارون" عمِل على تشويه صورة القضية الفلسطينية"، مضيفةً: "الدراما العربية بدأت تخضع لاشتراطات الممول، وتُظهر اليهود بصورة من ليس لديهم مشاكل مع أحد، وأنهم جيران مسالمون، وليسوا أعداءً مجرمين".

المخرجة الفلسطينية امتياز المغربيوتشير المغربي إلى أن عددًا من الأعمال التي أُنتجِت في السنوات الأخيرة، حاولت تجميل شخصية اليهودي، ومنها المسلسل المصري "حارة اليهود"، ونظيره السوري "باب الحارة" الذي زج اليهود في أحداث أجزائه الأخيرة دون داعٍ.

بدورها، تحاول الأكاديمية الأردنية د.عبير النجار شرح المبررات التي تدفع شركات الإنتاج إلى اختيار هذا النوع من الدراما، بالقول: "الإنتاج التلفزيوني مكلفٌ للغاية، ويحتاج إلى الرضى السياسي كضمان أساسي للاستمرار والكسب"، مردفةً: "استجابت دراما هذا العام بشكلٍ مباشرٍ لمقتضيات التغيير في سياسات بعض الدول العربية، التي بدأت بالإفصاح عن علاقاتها التجارية والسياسية مع إسرائيل".

وتعتقد النجار أن هذا التحرك الدرامي يأتي الآن بسبب مواقف الشعوب العربية الرافضة للتطبيع، الواضحة والثابتة منذ عقود، "فتكون البداية بالتطبيع عَن طريق الدراما، وترديد كلامٍ، بعضه حق، يُراد به باطل" تضيف.

تشارك المخرجة امتياز المغربي، الأكاديمية النجار رأيها، وترى أن هذا النوع من الدراما يحصل على تمويل جيد، كونه يثير حالةً من الجدل، مشيرةً إلى خطورة هذه الأعمال، كونها تخلط بين اليهود كمجموعة دينية من جهة، وبين "إسرائيل" ككيان استعماري عنصري من جهة أخرى، لتضليل المشاهد العربي.

الجدل الذي أثاره المسلسان لا يتعلق بفكرة التطبيع فحسب، بل تعدّاها إلى محاولة القفز من القالب المجتمعي العربي الرافض للتطبيع، من خلال الالتفاف على ما نصّت عليه مبادرة السلام العربية التي أُعلنت في القمة العربية ببيروت عام 2002م، التي تشترط إنهاء الاحتلال "الإسرائيلي" للأرض الفلسطينية مقابل السلام مع كل الدول العربية، وهي مبادرةٌ رفضتها "إسرائيل" على الدوام.

وقع المسلسلان في جملةٍ من الأخطاء التي تتعلق بالحقائق التاريخية وتُعد من الثوابت الفلسطينية، فتساوقت مع رواية "إسرائيل" المزيفة، التي ضللت بها العالم لتبرير احتلالها لـفلسطين وجرائمها بحق شعبها، وأبرز هذه الأخطاء هو: "إعلان قيام دولة إسرائيل في تل أبيب، عند انتهاء الانتداب البريطاني على أرض إسرائيل"، وهو ما ظهر في مشهدٍ من أولى حلقات مسلسل "أم هارون"، بينما كان إعلان قيام "إسرائيل" في حقيقة الأمر على أرض فلسطين العربية التي انتُدبت عليها بريطانيا، إذ لم تكن "إسرائيل" موجودة أصلًا قبل ذلك!

الناقد اللبناني د.مالك خورييعتقد د.مالك خوري الناقد اللبناني ومدير قسم السينما بالجامعة الأمريكية في القاهرة، أن مسلسلات هذا العام لم تُعرض صدفة، بل هي أعمالٌ خُطِّطَ لها كي تساهم في دفع المشاهد العربي لقبول فكرة التطبيع مع "إسرائيل" تدريجيًا.

ويبين د.خوري خطورة مسلسل "أم هارون" الذي لم يتجرأ على الحقائق التاريخية فحسب، وإنما ذهب أبعد من ذلك، عندما تعمّد تناول مسألة تعويض "إسرائيل" عن ممتلكات اليهود التي تركوها في الجزيرة العربية، وهو ما عدّهُ نوعًا من الابتزاز السياسي للدول العربية، التي لم تكن مسؤولة عن مغادرة هؤلاء، وإنما الحركات الصهيونية هي من دفعتهم للهجرة إلى فلسطين المحتلة.

بالعودة إلى الأكاديمية النجار، فقد دعت المشاهد العربي إلى مقاطعة قنوات MBC، مطالبةً مسؤوليها بوقف هذه الأعمال، على غرار إيقافهم عرض النسخة العربية من برنامج big brother في مملكة البحرين عام 2004م تحت ضغط احتجاجات الشعب البحريني، وذلك بعد يومين أو أكثر من بداية عرضه، لمخالفته التقاليد العربية.

الأكاديمية د.عبير النجارودعت شبكة قنوات MBC إلى الاعتذار للشعب السعودي وشعوب الخليج والشعب الفلسطيني، وكل الشعوب العربية، عن التضليل والتشويه الذي ارتكبته ضمن تسييسها المسلسلات الرمضانية، مذكرةً بدورها التاريخي في تبنّي أعمالٍ هامة ارتقت بالمشاهد العربي ومعه، وكانت تُعرض تحديدًا في شهر رمضان على مدى أعوامٍ سابقة، مثل: مسلسل "ربيع قرطبة"، و"صقر قريش" و"التغريبة الفلسطينية" وغيرها.

وتعيش الدراما العربية هذه الأيام ما يشبه حالة الانفصال عن الواقع، ففي الوقت الذي يوجه فيه مسلسلا "مخرج 7" و"أم هارون" رسائل للتطبيع مع "إسرائيل"، ويدعمان حقها في الوجود فوق أرض فلسطين، والتعويض في بعض مشاهدهما، يناقضهما مسلسل الخيال العلمي "النهاية" للمخرج المصري ياسر سامي، الذي يتوقع نهاية "إسرائيل" بعد 100 عام من إعلانها.

وجاء في الحلقة الأولى من "النهاية" مشاهد أطفال في عام 2120، يتلقون درسًا عن "حرب تحرير القدس"، التي أدت إلى دمار "إسرائيل" قبل مرور 100 عامٍ على تأسيسها، ومغادرة اليهود إلى بلادهم الأصلية التي أتوا منها.

الناقد سلام: مسلسل "النهاية" المصري،  أنعش الذاكرة العربية تجاه القضية الفلسطينية، وأثار استنكارًا واسعًا داخل "إسرائيل"، التي أصدرت وزارة خارجيتها بيان إدانةٍ له.

يرى الإعلامي والناقد الفني المصري سيد محمود سلام أن هذا العام تميز في تناول الدراما العربية للقضية الفلسطينية، والجدل القائم حول العلاقة مع الاحتلال الإسرائيلي، خصوصًا المسلسلين الخليجيين، ومسلسل "النهاية" المصري، الذي أنعش الذاكرة العربية تجاه القضية الفلسطينية، وأثار استنكارًا واسعًا داخل "إسرائيل" التي غضبت منه، وأصدرت وزارة خارجيتها بيان إدانةٍ له.

الناقد الفني سيد محمود سلاموبحسب سلام فإن الدراما العربية تعكس ما يحدث من تغييراتٍ سياسية داخل الخليج العربي، باتجاه الموقف من "إسرائيل"، وتطبيع العلاقات معها، حيث إن الإنتاج الدرامي بات اليوم مملوكًا لشركاتٍ تقودها دول، تريد فرض سياستها، إلا أن الشعوب العربية لا تزال ترفض وجود الكيان الصهيوني والتطبيع معه، وبالتالي لن تنجح تلك الأعمال في تغيير الحقائق الثابتة لدى الشعوب كما يؤكد.

يشرح الناقد مالك خوري تأثير هذه الأعمال على وعي المشاهد العربي، بالقول: "إنها أدت إلى مزيدٍ من الفضول لدى الشباب العربي للبحث في التاريخ وقراءته ومقارنة الحقائق، وهذا ينعش ذاكرتهم حول الهوية العربية وخاصة القضية الفلسطينية، ويوضح أن تأثير الدراما الخليجية لا يزال محدودًا مقارنةً بالمسلسلات المصرية والسورية، رغم الإمكانيات الكبيرة التي أُنفقت على إنتاجها.

خوري: عدد مشاهدي الدراما الخليجية أقل، مقارنةً بأعداد مشاهدي المسلسلات السورية كـ"حارس القدس" و"مسلسل النهاية" المصري، ولكن هذا لا يقلل من خطورة ما يُعرض من تزويرٍ للتاريخ.

ويضيف: "عدد المشاهدين للدراما الخليجية أقل، مقارنةً بأعداد من يشاهدون المسلسلات سورية كمسلسل "حارس القدس" أو "مسلسل النهاية" المصري، ولكن هذا لا يقلل من خطورة ما يُعرض من تزويرٍ للتاريخ، وتمريرٍ للأفكار التطبيعية من قبل الحكومات، في الوقت الذي كان يجب أن يتصدى فيه العرب لمحاولات إسرائيل والولايات المتحدة تصفية القضية الفلسطينية.

ويدحض مسلسل "الخوابي" الأردني، للمؤلف وفاء بكر والمخرج محمد علوان، الرواية التي تناولها مسلسل "أم هارون" عن أن "إسرائيل" قامت على أرض "إسرائيلية"، فرواية "أم هارون" تصطف مع ما حاولت ماكينة الدعاية الصهيونية تسويقه على الدوام، من أجل تبرير احتلالها، والتغطية على جرائمها التي ارتكبتها بحق الشعب الفلسطيني، بدءًا من مقولة: "فلسطين أرض بلا شعب، لشعبٍ بلا أرض".

ويستعرض "الخوابي" حياة الريف في فلسطين قبل احتلالها، حيث الحياة البسيطة والأرض الخضراء وقصص الحب وجمال الطبيعة.

وسط كل تلك الرسائل التطبيعية يأتي المسلسل السوري "حارس القدس" للمخرج باسل الخطيب، الذي يتناول السيرة الذاتية لحياة رجل الدين المسيحي، هيلاريون كبوتشي، منذ مولده في مدينة حلب السورية سنة 1922م، وتوليه منصب مطران كنيسة الروم الكاثوليك في القدس المحتلة عام 1965؛ الذي عُرف بنضاله من أجل القضية الفلسطينية، ودعم المقاومة، حيث اعتقل في سجون الاحتلال ونُفي بسببها، إعلانًا عن الثوابت التي يتمسك بها العرب بشأن القضية الفلسطينية، وردًا على مؤامرة التصفية الأميركية المسماة "صفقة القرن"، كما يقول مخرج المسلسل في تصريحاتٍ إعلامية.

لا ينفي أحدٌ أن الدراما العربية تأخرت في تناول القضية الفلسطينية، إلا أنها لعبت دورًا كبيرًا في تسليط الضوء على معاناة الفلسطينيين جراء التهجير بسبب الاحتلال.

لا ينفي أحدٌ أن الدراما العربية تأخرت في تناول القضية الفلسطينية، بعيدًا عن الجدل الدائر حول المسلسلين، إلا أنها لعبت دورًا كبيرًا في تسليط الضوء على معاناة الفلسطينيين جراء التهجير بسبب الاحتلال.

خلال العقدين الأخيرين، عُرضت أعمالٌ مثل "التغريبة الفلسطينية" للمخرج السوري حاتم علي، والكاتب الفلسطيني وليد سيف، الذي يعد أهم عمل درامي عربي سوري وأردني، يجسد بصدق تلك المعاناة، ويتناول تغلغل اليهود داخل البنية الاجتماعية الفلسطينية، وعملية تهجير الفلسطينيين، كما يسلط الضوء على فتراتٍ متباينة من كفاح وصمود الشعب الفلسطيني.

كذلك مسلسل "الاجتياح" الأردني للمخرج شوقي الماجري، الذي يصور معاناة الشعب الفلسطيني خلال اجتياح الضفة الغربية ومجزرة جنين عام 2002م، ومسلسل "عائد إلى حيفا" للمخرج الفلسطيني السوري باسل الخطيب، المأخوذ عن رواية الكاتب والأديب الفلسطيني غسان كنفاني، ويتطرق إلى معاناة اللاجئين الفلسطينيين. 

رئيس اتحاد المنتجين العرب: "من يتخلى اليوم عن الثوابت الفلسطينية سوف يقبل بالتخلي عن علاقاتنا العربية مستقبلًا".

ظلت الثقافة العربية قلعةً صامدةً في وجه كل محاولات الاختراق، بالرغم من تطبيع الحكومات العربية بشكل رسمي وعلني، أو غير رسمي مع الكيان الصهيوني، وقد شهدت السنوات الأخيرة لقاءاتٍ تطبيعيةٍ كان تبرّأ منها الشارع العربي، والهيئات الثقافية، ولا يزال يُوصمُ القائمون عليها والدعاةُ إليها بالخيانة، إذ لا تزال فكرة التطبيع تشكل (فوبيا) لدى الشارع العربي، الذي لا يرى في "إسرائيل" سوى عدوه الأوحد، كما يعدُّ التطبيع من الخطوط الحمراء لدى المؤسسات الأكاديمية والنقابية والهيئات الثقافية التي ترفض عرض مثل تلك الأعمال الدرامية.

يصف اتحاد المنتجين العرب الأعمال الدرامية الداعية للتطبيع بـ"الوقحة"، و"المشوهة للتاريخ العربي المشرف"، التي تهدف إلى غسل أدمغة المواطنين العرب.

رئيس اتحاد المنتجين إبراهيم أبو ذكريواستنكر إبراهيم أبو ذكري رئيس الاتحاد، تحول قناة mbc من منصةٍ لمناصرة الحق العربي وقرارات الجامعة العربية إلى منصّةٍ للتطبيع، قائلًا لـ "نوى": "من يتخلى اليوم عن الثوابت الفلسطينية سوف يقبل بالتخلي عن علاقاتنا العربية مستقبلًا".

ويضيف: "أصدرنا بيانًا بهذا الخصوص، وهو بداية لحملة كبيرة من أجل تعديل المسار الإعلامي المتصل بالوجدان العربي"، محذرًا من خطر يداهم الدراما العربية، ويسعى لتفكيك الثوابت التي تربينا عليها، خاصةً باعتبار القضية الفلسطينية قضية حقٍ عربي، و"إسرائيل" هي عدو العرب كافة. 

بالعودة إلى الناقد خوري، فإنه ينتقد من يرون في هذا النوع من الأعمال الدرامية حرية تعبير لا يجب مهاجمتها. يقول: "يجب أن يفهم الجميع بأنه لا يمكن التهاون فيما يتعلق بمحاولات تشويه الذاكرة العربية بما يخدم الصهيونية ويشجع على العنصرية والكراهية، فحرية التعبير عن الرأي لا تعني تزوير التاريخ وتضليل الأجيال"، مطالبًا الفنانين والمنتجين والمثقفين بالتصدي لتلك المحاولات، كي لا يتجرأ آخرون على إنتاج مثل تلك الأعمال، أو أن تنجرَّ قطاعاتٌ أخرى كالتعليم مثلًا لتعديل المنهاج لصالح تجميل صورة "إسرائيل" والقبول بالتطبيع.

كاريكاتـــــير