رام الله:
عاد شهيد الخليل معمر الأطرش (42عاماً) نهاية يناير من العام الحالي، بعد احتجاز جثمانه لأكثر من مائة يوم، في سيارة الإسعاف، تمدد إلى جانب أحد أبنائه قطعة صلبة، لو تحركت قليلاً لكُسرت!
استلمته عائلة الأطرش جثة متجمدة، قطعة من الثلج لم يستطع أحد معانقتها، ولم يجرؤ أحدهم أن يضغط حُبه وشوقه على الجسد المتيبّس، وصدمتهم البرودة حينما مالت رؤوسهم لتقبيل الوجه البارد.
ابنه البكر والذي كان معتقلاً حين استشهد والده، خرج قبل عودة الجثمان، وقُدّر له أن يلقي نظرة أخيرة على الجسد المتجمد، يمد يده ليداعب شعره بحساسية زائدة خوفا من أن يتكسر!
ولم تكن قصة الأطرش هي الأولى، وليس جثمانه هو الجثمان الأخير العائد من ثلاجات الموتى بعد احتجاز لأشهر، جثمان الشهيد بهاء عليان (23عاماً) من مدينة القدس عاد بعد تسعة أشهر من تجميد جسده، استُقبل أيضاً بصمت، ولم يقوَ ذووه على عناقه عناقاً دافئاً كما ينبغي، فكيف يكون عناق الجسد المجمد؟!
كذلك المشهد تكرر في بلدة بني نعيم قضاء الخليل حينما استقبلت عائلة الشهيدة سارة الطرايرة ابنتهم الحبلى البالغة من العمر (27عاماً)، التي كانت تحمل في داخلها جسداً مجمداً آخر، حيث كانت حُبلى في شهورها الأولى حينما استشهدت، ولم تسمح لهم برودة جسدها باحتضانها، وقد سُلّمت إلى ذويها كما وكأنها قطعة مغلّفة بورقة من القصدير.
ولم يكن الحديث مع أهالي الشهداء لوصف مشاعر الألم التي يشعرون بها وهم يلمسون الفرق بين خيالاتهم والواقع، سهلاً، فإذا كانت الأم الملتاعة على ابنها تتصور نفسها وهي تحتضن جسداً دافئاً طرياً، وتُصدم بتلك القطعة المجمدة البارة، فكيف يمكن لها أن تشعر حيال ذلك؟! خاصة أنه ومن المفترض أن يخرج الجسد من الثلاجة قبل 48 ساعة من تسليمه، وفقاً للاتفاقيات الإنسانية على الأقل.
وقد لا ينسى شقيق الشهيد بسيم صلاح من مدينة نابلس (38 عاماً) قدما شقيقه المقوستين بعد استلامه لجثمانه، والتي تدل على أنهما رُبطا بحبل أثناء عملية التجميد ما أدى إلى تقوّسهما، حيث تخيل الشقيق أنهما قد تحولتا إلى قطعة من الجليد وليستا قدما شقيقه الذي سار بهما نحو القدس، وقد اضطرت العائلة لتأجيل تشيع الجثمان ليوم كامل حتى يذوب الجسد المجمد وتستطيع نقله ودفنه.
ازدادت وتيرة تجميد الاحتلال الإسرائيلي جثث الشهداء الفلسطينيين بعد احتجازها مع بداية أحداث القدس في أكتوبر 2016 كأسلوب من أساليب الانتقام من ذوي الشهداء، وترويع الشباب المقاومين من أهالي الضفة والقدس، بل وكنوع من التشفّي، ويعتبر حقوقيون أن إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي تُساوم على جثث شهداء دولة تحتلها، وهو ما يعرّضها للكثير من الانتقادات خصوصاً من المنظمات الدولية.
ويبدو أن عملية التجميد لا تتم بعناية أو ترتيب، حيث يُرص الشهداء كيفما اتفق فوق بعضهم البعض، حيث يضعونه في كيس أسود ثم يلقونه فوق جثث مُحتجزة أخرى، ما يصعّب فصل الجثث في كثير من الأحيان، وهذا ما قاله الدكتور عبد الله أبو هلال مدير مركز أبو ديس الطبي وهو يحاول فصل جثمان الشهيد مازن حسن عربية الذي احتجز لثلاثة أسابيع في الثلاجات الإسرائيلية.
ولعلك إذا فكرت عميقاً تشعر بالفعل أن إسرائيل تحاول من خلال سياسة التجميد هذه أن تقف حائلاً أمام الموت بأن يُمارس طبيعته على الجسد الذي أُعلن موته قبل دقائق، ثم وقفت إسرائيل عائقاً أمام دفن الجسد كما يليق بالموت أن يكون فجمدته وأوقفته في ثلاجة، ومنعت العائلات التي وافقت على تسليمها جثث أبنائها من إتمام مراسيم الدفن بجنازة تليق باسم الشهيد، فكانت عمليات التسليم تتم بمعظمها ليلاً والناس نيام، فلا تسمح الفرصة لأم بأن تحتضن ابنها كما ينبغي أو لأب من الانتحاب فوق الجسد المجمد.
من جهته يقول منسق الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء سالم خلة، أن الحملة وَثقت لـ157 شهيدا محتجزة جثامينهم حتى اللحظة، منهم من دُفن في مقابر الأرقام، ومنهم من بقي جثمانه في الثلاجات الإسرائيلية وسط مطالبات أهالي الشهداء باسترداد الجثامين، بينما يقر الاحتلال في مراسلات مع محامي الحملة بأن لديه 119 جثماناً في الثلاجات.
سلوى حماد التي تعمل ضمن حملة استرداد الجثامين وصفت المشهد الذي تعايشه في كل مرة تشارك فيها أمهات الشهداء عند استلام أجساد أبنائهن، لافتة إلى أن هناك حالات من أهالي الشهداء قد تأزموا نفسياً حتى احتاجوا للمتابعة النفسية من قبل مختصين.
وتوضح حماد بأن الشهداء يُحتجزون بدرجة حرارة 35 تحت الصفر، لذلك من الصعب تحريك الجسد أو تعديل أي وضعيه له بعد الاستلام، وتقول: "أذكر أن أحد الشهداء كان طويل الجسد وكانت قدماه مرفوعتان إلى أعلى وبقي على وضعيته تلك حتى وضع في القبر".
وتتذكر حماد رواية أقرباء باسل الأعرج (34 عام) ابن قرية الولَّجة والذي استشهد في رام الله قبل عام، حيث ودّعوا الجسد العائد من الثلاجة، لافتين إلى أنهم شاهدوه وقدمه مثنية أسفل جسده وبقي على حاله وقد فُرّز جسده بهذه الطريقة، ودفن بهذه الطريقة.
كما أن شهيد سلفيت إلياس ياسين (22عاماً) كان ممدداً ويده الشمال تحت رأسه، وحسب عائلته فإن هذه هي نومته التي اعتادوا عليها، وبقي جسده على هذه الوضعية مجمداً حتى دخوله القبر.
ولا تسمح إسرائيل لأي عائلة منذ 2015 بالتعرف على ابنها داخل الثلاجات، كنوع من أنواع العذاب الذي تفرضه على الأهل، وكل الأجساد التي عادت من الثلاجة تدل على أن ظروف احتجاز جثث الشهداء ليست إنسانية وليس فيها احترام للموت كما ليس فيها احترام للحياة.
























