شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 03 يوليو 2026م23:44 بتوقيت القدس

رباح مهنا.. طبيب الفقراء الذي رحل

06 مايو 2019 - 19:11
شيرين خليفة
شبكة نوى، فلسطينيات:

قطاع غزّة:

سقط الخبر كالصاعقة؛ أُعلن بشكل مفاجئ رحيل د. رباح مهنا مدير اتحاد لجان العمل الصحي في قطاع غزة، وأحد أبرز مؤسسي العديد من المؤسسات الصحية في قطاع غزة، وهو أيضاً عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية، قائد لم يغيّر ولم يبّدل في مواقفه الوطنية ولا التقدمية.

ثمة أناس رغم هدوء حياتهم، تكتشف عند رحيلهم كم كانوا يحملون مسؤولية ويناضلون على صعد اجتماعية وإنسانية بعيداً عن وسائل الإعلام، ربما ترفعاً وربما إيماناً بأن دور القائد بين الجماهير قبل أن يكون على صفحات الجرائد.

تقول أ. نادية أبو نحلة مديرة طاقم شؤون المرأة ورفيقة الدكتور رباح منذ بداية ثمانينات القرن الماضي، إنها حين تعرفت عليه كان رجلاً نشيطاً في العمل المؤسساتي وهو أحد السياسيين البارزين في الجبهة الشعبية حينها، اعتقله الاحتلال الإسرائيلي بسبب نضاله الوطني عدة مرات، ولكن بقي يحقق صولات وجولات مع النضال الاجتماعي.

وُلد رباح مهنا في عام النكبة 1948 لأسرة بسيطة من قرية المسمية، هاجر مع أهله وهو ابن أيام فقط، لجأت العائلة إلى حي الشجاعية شرق مدينة غزة، حيث تلقى تعليمه في مدارسها، أنهى الثانوية العام عام 1966 في مدرسة فلسطين ثم غادر إلى مصر لدراسة الطب، درس في كلية الطب بجامعة القاهرة ثم حصل على ماجستير في الباطنة من كلية طب القصر العيني، عمل كاستشاري لأمراض الغدد والسكر من عام 1972 في مستشفى الشفاء بغزة، ولكن تفرّغ للعمل السياسي والإنساني تاركاً مهنته الأصلية.

تقول أبو نحلة: "شاهدت كيف ناضل من أجل تأسيس مستشفى في الشمال، خاصة في الانتفاضة الأولى كان هناك صعوبة في نقل المرضى والجرحى إلى غزة"، مضيفة إنه اعتمد على التبرعات من المواطنين ومن علاقاته الخارجية لبناء مستشفى العودة شمال قطاع غزة وتزويدها بالمعدّات والكوادر اللازمة لها.

وكان للدكتور مهنا بصمة في العمل الطبي التطوعي، إذ كان ينظم في كل يوم جمعة أياماً إغاثية طبية تطوعية، جابت الشوارع والمخيمات في كل قطاع غزة، بل إنه وبحكم علاقاته بالكثير من أصحاب التخصصات المهمة، استطاع إقناعهم بالمشاركة في هذه الحملات رغم أنهم لم يكونوا جزءاً من الأنشطة الاجتماعية التطوعية كما تؤكد أبو نحلة.

آمن مهنا بضرورة وجود جسم للمجتمع المدني الفلسطيني، يقود حملات المناصرة في القضايا الوطنية والحقوقية وقضايا الديمقراطية، لهذا كان هو أحد مؤسسي شبكة المنظمات الأهلية، علاوة على كونه رجل سياسي ناقد بطبيعته، ناضل ضد الاحتلال، وحتى بعد عودة السلطة الفلسطينية ناضل ضد كل مظاهر الفساد وكان له موقف واضح من الجماعات السلفية والأصولية التي يواجهها الفكر الديمقراطي.

"هو بالفعل طبيب الفقراء"، هكذا وصفته أبو نحلة وزادت إنه طبيب لا يعرف الكثيرون أنه من القلة الذين برعوا في الغدد والسكر، ولكن أغلق عيادته الخاصة التي كان يمكن أن تجلب له ثراءً، واتجه نحو تأسيس مؤسسات صحية تخدم الفقراء، وبراتب أقل بكثير، لكن كان يؤمن بأن دور القيادي بأن يكون بين الناس ومعهم.

ولا يعرف الكثيرون أن الطبيب مهنا وهو صاحب أسرة كبيرة كان يعاني ضيق الحال، بل هو رجل نظيف اليد يعتمد على راتبه الحكومي العادي، وهذا أرهقه حين درس أبناءه الخمسة في الجامعة، لم يكن يضايقه ذلك فهو يؤمن بما يفعل، كما كان مناصراً لحقوق النساء وتبنى بقوة تعديل قانون الأحوال الشخصية وقانون العقوبات، وكان يؤمن بدور الشباب وقريب جداً منهم.

في العام 1995 عاد رفاق الجبهة الشعبية من الخارج بعد عدة السلطة الفلسطينية إلى أرض الوطن، التقى حينها برفاق جمعهم النضال الوطني والفكر التقدمي، أبرزهن كانت المناضلة مريم أبو دقة، التي آمنت بأنه رجل متعدد الإمكانيات، وهو مناضل في كل الميادين على المستوى الوطني وعلى المستوى النقابي والمجتمعي والإنساني.

تقول أبو دقة: "مع رحيل كل فرد من الرعيل الأول نفقد جزءاً من تاريخنا"، وتضيف إنه طبيب لديه مبادئ وقناعات وطنية ثابتة لم يغيرها، منحاز للفقراء والكادحين، كان يتعامل مع الناس بطبيعته ليس لديه تكلّف لا يحب الرسميات، صادق برأيه وجريء.

انحاز الرفيق لحقوق المرأة للشباب وشجع على دعمهم، مواقفه الوطنية واضحة، اعتقله الاحتلال الإسرائيلي، كما اعتقلته السلطة الفلسطينية إضافة إلى رفاق آخرين من الجبهة الشعبية، وتعرض لمضايقات عقب أحداث الانقسام، لكنه استكمل المشوار وكان يحث الجميع على أن يستمروا.

وتوضح أبو دقة إنه عضو مجلس وطني ولكن يمنعه الاحتلال من مغادرة قطاع غزة، وحتى المرات التي غادرها كان ضمن تنسيق، هو إنسان محبوب وصادق وهذا اتضح في تعازي الناس له، هو رجل وحدودي مهما اختلفت الآراء حافظ على وطنيته وتقدميته.

وتكمل: "كان يؤمن بأن المستشفيات الحكومية خاصة في ظل الاحتلال لن تقدم ما يقدمه المجتمع المدني، لهذا اجتهد بجمع التبرعات لمستشفى الكرامة، وكان هذا درساً لنا جميعا تعلمناه من الرفيق، 80% من تكلفة المستشفى كانت تبرعات مجتمع محلي، آمن بألا نستهين بأي تبرع مهما كان قليلاً".

يحصل ذوي الشهداء والأسرى على إعفاء لدى علاجهم في مشتفى العودة، فقد أسس صندوقاً خاصاً بذلك بعيداً عن اشتراطات المانحين التي أثبتت الأيام أنه كان صاحب نظرة صواب فيها، هكذا تؤكد أبو دقة وتضيف إننا مع كل خسارة لمناضل من الرعيل الأول نخسر جزءاً من تاريخنا، فهؤلاء من بنوا ما يكمله الجيل الحالي اليوم ممن ما زالوا يسيرون على دربهم.

كاريكاتـــــير