قطاع غزّة:
يبدو المشهد للوهلة الأولى قاتلاً، عند تقاطع أربعة شوارع في وسط مدينة غزّة، استهدفت إسرائيل بناية سكنية (الخزندار) من عشرة طوابق تقريباً مساء الرّابع من مايو / أيار للعام الجاري، أسفلها بالضبط أربع محلات تجارية، ومن حولها عشرات المحلات الأخرى.
عند صباح اليوم التالي، كشف ضوء النهار حجم الفاجعة، تغيّرت معالم المنطقة، البناية السكنية تحوّلت إلى ركام دُفن تحته مئات الآلاف من الدولارات! المحلات التجارية التي كانت قد تزيّنت لرمضان، واستعدت لاستقبال النّاس في أسمى مناسباتهم الدينية التي ينتظرونها من العام إلى العام!
ومن العام إلى العام أيضاً هو موسم الحصاد بالنسبة للتجار الذين تتزحزح أوضاعهم المادية في هذا الشهر الذي يُتوّج بعيد الفطر السعيد، بل الحزين بفعل إسرائيل وما فعلت في خمسة دقائق حيث حصدت الزرع والضرع.. راحت العمارة وراحت المحلات، وطارت الزينة إلى أعلى الشجرة المقابلة الشّاهدة على هول الفاجعة.
"زيّ الكابوس، كنت أنا في محلي وجيراني أيضاً وسكان البناية وأصحاب المحلات والمتواجدين في المنطقة أجبرنا على الإخلاء في خمس دقائق فقط!"، يقول أمجد جبر وهو صاحب محل "جبر براندس" للأحذية الرياضية أسفل عمارة الخزندار المستهدفة في شارع خالد بن الوليد وسط مدينة غزّة.
دقائق أصابت النّاس بالعجز، "ليس هناك متسع للتفكير، بل النأي بنفسك بعيداً عن القصف، أنقذت روحك لكنها قتلت حينما شاهدت الصواريخ تدمّرها برزقك على بعد عشرات الأمتار وأنت تقف متفرجاً كالصنم!"، هكذا يضيف التاجر.
بالطبع لم تكن علاقة أمجد بمحلّه أنه مكاناً للعمل فحسب، وإنما كان يمثل الركن الأقرب إلى قلبه في حياته، المكان الذي يحتضنه يومياً ساعات يمكن أن تتجاوز مكوثه في بيته، يوميات مع الزبائن ومع الأصدقاء ومع الأقارب ومع التجار.
فنجان القهوة الصباحي والأحاديث المتبادلة بين الجيران، التقاط الصّور في هذه الزاوية والنقاش مع الزبون حول الجودة والسعر في تلك، والشغف عند جلب البضائع الجديدة وعرضها للناس تفاصيل غيّبتها إسرائيل بضربة واحدة..
وبحسب أمجد فإن خسائر محلّه وحدها تجاوزت الـ 100 ألف دولار، غير أن أسرتين لعاملين في المحل بالإضافة إلى أمجد كانوا يعتمدون على دخله كمصدر رزق أساسي.
وفي محلٍ مجاور، قصّة أخرى قتلت في محل "Iam" للشنط والإكسسوار، علم صاحبه الشاب خالد هشام بقصف البناية من خلال موقع "تويتر" حيث سافر إلى تركيا لازدياد الأوضاع المعيشية سوءاً، وانهيار حجم المبيعات مقارنة في السابق، حتى قرّر مغادرة غزّة وإدارة المحل من الخارج والبحث عن وظيفة ثانية لكن مآسي غزّة لم تنفك تلاحقه وهو بالخارج – وفق تعبيره -.
خالد الذي بدا مصدوماً من استهداف المحل لم يكتم غيظه، كان يشاهد القصف في البث المباشر ويصرخ بكلمات مدوّية في مواقع التواصل الاجتماعي حول ما يمثل هذا المكان له، "ذكريات وجلسات وأيام حلوة وناس جميلة، راحت بكبسة زر على زناد الطيارة، راح فيها تعب ناس هلكوا لسنوات كي يبنوا ويأسسوا مستقبل لهم ولأولادهم".
"كنت أرى به نفسي ومستقبلي، كنت أعتبره حقًا أحد أبنائي. كل هذا الحزن على خسائري في المتجر كأني حزنت على فقدان أحد أبنائي" يقول الشاب لـ "نوى".
ويضيف خالد أنهم لم يُبلّغوا في المحل بقصف البناية إلا بصاروخ إرشادي أطلقته طائرة استطلاع إسرائيلية، أرغمت الناس على مغادرة المكان فوراً وترك المكان الذي لا يعوّض بذكرياته وأحلام أصحابه والعاملين فيه أنه سيصبح متجراً كبيراً، أقيم منذ خمس سنوات حصدت من عمر أصحابه، دمّرتها إسرائيل في خمسة دقائق وفي إنذار صاروخي أيضاً.
لم يتوقّف الشاب عن رسائل التعزية والمواساة، يقرأها تمرّ أمامه ويمرّ شريط ذكريات صار مريراً بفعل الاحتلال، هذا الشريط الذي سجّل وجوه الزبائن الذين اعتبرهم يتردّدون على بيته الثاني، كيف كلّ شيء طار في خمس دقائق وكبسة زر؟ يتساءل.
أمّا صبحي الخزندار وهو صاحب محل ألبسة نسائية وأحد سكّان البناية، انطلق بهوس في الركام وصار يصرخ "وين الرصاص؟ وين النووي؟ جيبولي ياه" مستنكراً الاستهداف غير المبرّر برمشة عين..
وفي يومي التصعيد، فإن 130 وحدة سكنية دُمّرت بشكل كامل، و700 وحدة أخرى دمّرت بشكل جزئي بحسب ناجي سرحان وكيل وزارة الأشغال العامة والإسكان في غزّة.
واستشهد 27 مواطناً فلسطينياً، من بينهم أطفال رضع ونساء حوامل وشبّان، راحلين كلّ منهم يحمل قصة وأمنيات وأحلام باغتتها الصواريخ الإسرائيلية، وأصيب نحو 160 آخرين وفق بيان وزارة الصحّة الفلسطينيّة.
























