تحتضنها بقوةٍ، لا تريد أن تتركها، ولسان حالها يقول "أريد أن أخبئكِ في أحشائي، أعيدك إلى بطني لأحميكِ من غدر المحتل"، لا أتخيل أيامي بدونك، فأنتِ أجمل ما فيها، فستانكِ الذي اشتريته لتلبسيه في العيد، ألن يكون لك فيه نصيب". تناديها بصوت تخنقه العبرات "اصحي يما، اصحي، ما شبعت منك، ولا حسيت فيكي، لسه بتعرف ع تفاصيلك، ليش أخدوكِ مني وحرموني منك".
لحظات وداع موجعة لوالدة الشهيدة الرضيعة صبا أبو عرار، المكلومة بفقدان طفلتها التي لم تر من الحياة شيئ ولم تفقه معنى الموت بعد ، صرخات وصيحات، تحمل مع كل صرخة غضب وألم وشعور بالوحدة والفقد".
لم تكن الشهيدة الرضيعة إيمان حجو الأخيرة في موجة الاستهداف الإسرائيلي المتعمد للطفولة في قطاع غزة، فقد استشهد بالرصاص الإسرائيلي وصولاً للاستهداف بالصواريخ آلاف الأطفال منذ انتفاضة الأقصى قبل 19 عاماً ومروراً بعدوان 2008 حتى يوم أمس الذي ارتقت فيه الرضيعة "صبا"، والتي لم تجيد بعد فهم الكلمات أو الإشارات وربما لا زالت تخطو خطواتها الأولى نحو الحياة.

لحظات ليس إلا، كانت الفارق بين الحياة والموت، بين الاستقرار والتشرد، بين السعادة والشقاء، بين العطاء والفقد، لحظات حولت حياة أسرة بأكملها إلى كابوس متواصل بعد اغتيال طائرات الاحتلال الاسرائيلي أسرة آمنة، كانت تلتف حول مائدة الغذاء، ليكون الغذاء الأخير الذي يجمع كل أفرادها، بعد استشهاد الطفلة الرضيعة صبا وزوجة عمها التي تحمل في أحشائها طفل غادر الحياة قبل أن يراها، كان يعد العدة للقدوم إلى الحياة فكان الموت إليه أقرب.
نائمة هي الآن، لا تأبه بأي شيئ ولم يعد يعنيها ما يجري على الأرض، ولو كانت ستنطق في لحظتها تلك لطالبت بتـوفير حياة آمنة لأطفال غزة الذين يقتلون فقط لأنهم ولدوا على أرض فلسطين، وكانت ستطالب بمحاكمة كل قادة الحرب الإسرائيليين الذين يستهدفون الطفولة بلا أي رادع.
رحلت صبا ولسان حال والدتها يقول " كنت أعد العدة للاحتفال بشهر رمضان المبارك، آثرت شراء ما يلفتني لها من السوق استباقاً لعيد الفطر، كنت اخبئ لها كل جميل، لكن الاحتلال الإسرائيلي الذي اعتاد استهداف الآمنين خطفها مني سريعاً، لم أشبع بعد من تمتمتها بكلمة "ماما" ولم استمتع بمناغاتها، لم تكن تعرف صبا من الدنيا أكثر من لعبة تلهو بها وحليب يسد جوعها، وكانت تبث الحياة فيمن حولها بضحكاتها، ومحاولاتها المتواصلة الانتصار على مخاوفها من المشي فتنجح تارة وتسقط أخرى، لكن الاحتلال الاسرائيلي كما هي عادته بتر تلك الحياة وأحالها إلى موت وصراخ و عويل، من محبين وفاقدين لم يستوعبوا المشهد ولم يتقبلوا فكرة أن تستهدف عائلة آمنة في منزلها، لتحيله من منزل يضج بالحياة إلى دمار وانهيار للبشر قبل الحجر.
فماذا عساها تفعل العائلة التي فقدت في لحظة واحدة طفلة رضيعة وزوجة وأم وجنين كانت الأسرة تعد العدة لاستقباله بالحلا والزهور والبخور.

وحسب بيان المركز الفلسطيني لحقوق الانسان قصفت طائرة مسيرة بصاروخ واحد أرضا زراعية ملاصقة لمنزل المواطن محمود حمدان أبو عرار، بالتزامن مع تناول أسرته للطعام في الأرض الملاصقة لمنزلهم. أسفر ذلك عن مقتل كل من: طفلته الرضيعة صبا محمود حمدان ابو عرار (14شهرا) بعد إصابتها بشظايا في أنحاء متفرقة من الجسم، وزوجة شقيقه المواطنة فلسطين صالح أبو عرار، 37 عاما، وهي حامل بالشهر الخامس، حيث قتل جنينها أيضا. وأصيبت جدة الطفلة معزوزة محمد أبو عرار (72 عاما) والطفل حسام عدنان ابو عرار (عامان) بشظايا في أنحاء متفرقة من الجسم.
ولا تعد هذه المرة الأولى التي تستهدف اسرائيل الأسر الفلسطينية الآمنة في بيوتها، وليس ببعيد استهدافها لمنازل المواطنين خلال عدوان 2014 والذي أزال مئات العائلات من السجل المدني، وبحسب إحصائية للموقع الإلكتروني للحركة العالمية للدفاع عن الأطفال، بلغ عدد الأطفال الشهداء 2050 طفل بين يناير 2000 ويونيو 2018، وكانت أعمار الأطفال الشهداء كالآتي: 514 طفلا من ثمانية أعوام فأقل، و354 بين 9و12 عاما، و585 بين 13 و15 عاما، و597 بين 16 و17 عاما، وفقا للحركة نفسها.
























