غزة:
كما غيرها من النساء اللاتي ينجبن البنات، وقعت ربا (28 عاماً) ضحية ضمن آلاف الضحايا لمجتمع ذكوري يفضّل إنجاب الذكور على الإناث. وعقابًا لها على إنجابها ثلاثة بنات قرر زوجها أحمد الثلاثيني الزواج بأخرى، إلا أن المأساة التي لم تقف فصولها هنا، بل تمتد إلى أن تشاركها "ضرتها" ريهام (40 عاماً) بيتها، وتعيش في غرفة مقابلة لها في نفس المنزل.
تزوج أحمد أملاً في أن يرزقه الله بالولد، متغافلاً حقيقة أن الرجل هو المسؤول عن تحديد جنس المولود، ولكن يشاء القدر أن تحمل ريهام التي تكبره بعشر سنوات بالبنت الرابعة.
تقول ربا: "بعد إنجاب ابنتي الثانية بدأ زوجي يتذمر، وحين حملت للمرة الثالثة، تمنيت أن يكون المولود ذكر، لكن الطبيبة أخبرتني أنني حامل ببنت، فلم أخبر زوجي بالأمر؛ خوفاً من ردة فعله، وبعد ثلاثة شهور من وضعي لطفلتي وبتشجيع من أهله قرر الارتباط بأخرى؛ متعللاً بأنه يريد الصبي وفعلاً تزوج من إحدى قريباته".
وتكمل قصتها: "لم يكتف بالزواج لسبب لا دخل لي فيه، بل قرر أن يحضرها لتعيش معي في نفس البيت، الأمر الذي زاد حيرتي وألمي، فأنا لا أريد الانفصال عن بناتي، رضيت بالأمر الواقع لأعيش من أجلهن فقط".
الأربعيني محمد قرر اصطحاب زوجته هبة (30 عاماً) التي أنجب منها أربع بنات، إلى أحد مراكز الإخصاب لتحديد جنس المولود لدى إحدى طبيبات النساء والولادة؛ إيماناً منه بأن العلم قادر على حل مشكلة إنجاب الإناث إن جاز تسميتها. تقول هبة "زوجي وحيد أهله، لذلك كان مهماً أن يكون لديه ولد، وفي كل مرة كنت أنجب بنت أدخل في حالة ما يسمى اكتئاب الولادة؛ نتيجة تعليقات أهل زوجي فيما يتعلق بخلفة البنات، وذات يوم سمعت عبر إعلان عن وجود تقنية لتحديد جنس المولود، وهنا كانت فرحتي لا توصف، فأخبرت زوجي بالأمر واصطحبني إلى هناك مباشرةً".
وتضيف: "أجريت عملية تحديد جنس ناجحة، فبعد خضوعي إلى تحاليل على مدار ثلاثة أشهر، حملت بولد، وبعدما أنجبته، صارحني زوجي بأن أهله كانوا ينوون تزويجه مرة أخرى من أجل الصبي".
منذ خمس سنوات انتشرت في قطاع غزة مراكز أطفال الأنابيب وعلاج العقم بتقنية طبية جديدة تساعد في بتحديد جنس المولود وفي أغلب الأحيان يتم التوجه نحو تحديد جنس المولود الذكر. الذي يفضله المجتمع باعتباره السند والمعيل.
تعلق نيبال حلس الأخصائية النفسية الاجتماعية بالقول: "إنجاب الذكور ليس مرتبط بطبقة معينة دون أخرى، حيث تشير العديد من الدراسات إلى أن نسبة ٩٠ % من الرجال يفضلون إنجاب الذكور على الإناث؛ لارتباط إنجاب الذكور في المجتمعات الشرقية، بسرمدية بقاء اسم الأب على الأرض، فالولد يحمل اسم أبيه أما البنت فتحمل اسم زوجها أو عائلته على المدى البعيد".
وتضيف حلس: "تحتفل مجتمعاتنا عند مجيء طفل ذكر جديد على العائلة، على العكس عند مجيء الانثى، لذا تشعر الزوجة بالخوف من عدم إنجاب طفل ذكر، وتبقى متوجسة من فكرة الطلاق أو الزواج بأخرى من أجل تحقيق هذا الهدف".
على الرغم من أن الأمثال الشعبية الساخرة من إنجاب الأنثى ما تزال تتردد في غزة، إلا أن حلس تؤكد إنه بعد انتشار الوعي الثقافي والصحي والديني، بدأ مؤخراً المجتمع ينظر بإيجابية نحو إنجاب الأنثى، خاصة بعد أن المرأة أثبتت أهمية دورها في المجتمع بعد دخولها مختلف نواحي الحياة، وتفوقها في بعضها على الرجل، فأصبحت فخراً لأهلها وعائلتها".
علمياً.. من المسؤول عن تحديد جنس المولود؟ سؤال وجهته للدكتورة فادية ملحيس أخصائية أمراض النساء والولادة في مستشفى الشفاء بغزة فأجابت بأن الرجل هو المسؤول عن تحديد جنس المولود، وهو أمر أثبته العلم منذ زمن، لأن الحيوان المنوي للرجل يحمل الكروموزوم (X)و (Y)، أما الأنثى فتحمل نوع واحد من الكروموسومات.
وعن طرق تحديد جنس المولود تؤكد ملحيس أن هذه التقنية حلت الكثير من المشاكل الأسرية لدى الأزواج، مشيرةً إلى ان 70% من الحالات التي تأتيها لتحديد جنس المولود الذكر بينما 30% تطلب الأنثى، وقالت:" هناك أكثر من طريقة للتحديد، منها: الطريقة الطبيعية وتعتمد على توقيت الجماع بالإضافة إلى التحكم في الوسط الحمضي أو القاعدي للرحم أو عن طريق الغذاء الذي يتم اعتماده قبل الحمل بشهرين". وأضافت: "ومنها الطرق الصناعية عن طريق الفلترة والتلقيح الصناعي، ولا تتجاوز نسبة نجاح هذه الطريقة 70%".
وتتابع:" أما الطريقة الأدق والتي تصل نسبة نجاحها إلى 99% هي فصل الأجنة (زراعة الأنابيب)، حيث قوم بتحفيز الإباضة عن طريق الحقن الهرمونية ثم نقوم بسحب البويضات خارج الرحم ومن ثم نلقحها بالحيوان المنوي المطلوب ثم نبقيها داخل حضانات لمدة 3 أيام ثم بعد ذلك نأخذ خلية ونقوم بتحليلها في المختبر للتأكد من جنس المولود ثم يتم إعادة الجنين إلى الرحم".
أما حول الشروط الواجب توافرها لدى الأسرة التي تنوي تحديد الجنس يجيب الدكتور عبد الحكيم شحادة أخصائي نساء وولادة من مركز البسمة للإخصاب وأطفال الأنابيب بأن الأمر الآن أصبح غير مشروط بينما قبل سنتين فقد كان هناك شرطان للتحديد: الأول أن يكون الزوج ليس لديه أي من الأبناء الذكور والشرط الثاني هو أن يكون كبير السن وليس معه وقت كبير للانتظار لمجيء الذكر وبالتالي يسمح له بالتحديد.
وطالما أن الشرع لا يحرم هذه التقنية فقد كانت حلاً لكثير من الحالات التي كانت ستعاني مثلما تعاني حالياً ربا وهنا يجمع الشرع على كون هذه التقنية حلال. يقول مفتي غزة أبو حمزة اللحام: "لا مشكلة طالما أن العلم اجتهد وتم التوصل لهذه التقنية فيجوز نعم تحديد جنس المولود ولكن إرادة الله فوق كل شيء".
ويضيف المفتي اللحام: يومياً تأتيني حالات من النساء تسأل عن حكم الشرع ونقول لها نعم لا ضير من هذا التحديد إذ لا يوجد مانع شرعي لذلك".
ورغم التحولات في الأسرة الفلسطينية والغزية على وجه الخصوص، إلا أن هناك قيماً ثقافية تقليدية موروثة في المجتمع الفلسطيني ما زالت قائمة، وقد تشكل أحياناً أساساً لمعايير التربية والتنشئة الاجتماعية؛ ومن أهم هذه القيم: فكرة التفرقة بين الذكر والأنثى في عملية التنشئة في بعض الأسر الفلسطينية، وخاصة في القرى والمخيمات، وأيضاً الرغبة في إنجاب الذكور دون الإناث، وتفضيل إنجاب الذكور وغيرها من الظواهر المرتبطة بالعادات الفلسطينية.
























