رغم وجود العديد من المكتبات العامة في قطاع غزة، إلا أن أي جولة بداخلها تؤكد أن الكتاب لم يعد خير جليس في وقتٍ بات تأمين رغيف الخبز عصيٌ على ما يقارب 53% من سكان قطاع غزة في ظل الحصار المفروض منذ 12 عاماً، والانقسام الداخلي وما تبعه من عقوبات فرضها الرئيس محمود عباس على سكان القطاع.
يقول رائد الوحيدي أمين مكتبة ديانا تماري الصباح التابعة لبلدية غزة: "لا شك أن حركة الزوار خفيفة نوعاً ما في المكتبة، إلا أنها ليست معدومة، هناك إقبال ملحوظ وعدد المشتركين في برنامج الاستعارة يزيد بشكل ملحوظ"، ويعزو الوحيدي ذلك لقرب المكتبة من الجامعات، موضحاً أن المكتبة تتبع خطة تنشيط بالتنسيق مع بلدية غزة، حيث تقام الندوات الثقافية، وحفلات توقيع الكتب للكتّاب المحليين في قاعة المكتبة الكبرى، ومن خلالها يتم التعريف بالمكتبة، لافتاً أن هذا يزيد من التعاطي مع برنامج الاستعارة.
لكن الوحيدي لم يخفِ أن الرواد والمشتركين انخفضت نسبتهم بشكل ملحوظ بعد الانقسام، موضحاً أن مكتبة ديانا تماري كانت منارة ثقافية قبل الحصار، وكانت تضج بالزوار والقراء، ورغم شروط الاستعارة الكثيرة آنذاك كان عدد المشتركين قد تعدى العشرين ألفاً ولكن اليوم لا يوجد ربع هذا الرقم، رغم انخفاض الاشتراك السنوي الذي يقدر بثلاثة دولارات في السنة، بينما كان بعشرة دولارات في سنوات ما قبل الانقسام، وكان الإقبال أكثر.
وأضاف :"الظروف السياسية والأزمات التي يمر بها سكان قطاع غزة، لعبت دوراً سلبياً مشهوداً في تراجع الاهتمام بالمكتبات العامة"، وتابع:" نعتمد هذه الأيام على الطلاب في المدارس والجامعات وعلى الندوات الثقافية لتنشيط المكتبة".
تأسست مكتبة بلدية غزة عام 1999م حيث انبثقت من خلال مشروع بلدية غزة وبلدية دنكرك الفرنسية وتم تدريب طاقم المكتبة في فرنسا وبعض الدول العربية وتحتوي المكتبة على 20 ألف عنوان في جميع المجالات المعرفية بالإضافة إلي 120 ألف من الدوريات.
وإذا كانت المكتبات العامة التي تعتمد على نظام الاستعارة تعاني من قلة روادها فالأمر أكثر سوءاً فيما يتعلق بالمكتبات الخاصة التي تعتمد على بيع الكتب، ويؤكد كريم غبن مدير مكتبة دار الشروق في مدينة غزة أن حالة الكساد التي تشهدها المكتبات في قطاع غزة؛ غير مسبوقة، خاصة في السنوات العشر الأخيرة، إذ أن العناوين المكتبية كما هي، وتجددها يحتاج إلى تحريك القديم منها وقال: “لم نطلب من فرعنا في رام الله أو عمان بتزويدنا بعناوين جديدة منذ ما يقارب العامين، لأن حركة البيع شبه معدومة".
ولفت غبن أن المكتبات الخاصة كانت تتعايش مع حالة الركود في الوقت الذي كانت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في قطاع غزة، تشتري كتباً بأعداد كبيرة، لأنها تفتح في كل مدرسة مكتبة خاصة، وكان إقبالها على شراء الكتب ينعش المكتبات، ويبقي على مبررات وجودها.
فيما أكد الروائي عبدالله تايه الأمين العام المساعد لاتحاد الكتّاب الفلسطينيين، أن غياب المعارض الدولية للكتاب في قطاع غزة، تسبب بشكل كبير في ركود المكتبات وحركة الشراء والبيع فيها، وأيضاً تسبب في قلة رواد المكتبات العامة، لأن المكتبات العامة تتأثر بحركة الكتاب بشكل عام، وغياب المعارض يعني إبقاء الكتب على الرفوف، والمضطر يذهب لعناوين محددة.
ولفت تايه أن الظروف الصعبة والقاسية التي يمر بها قطاع غزة، ساهمت بشكل مباشر في انصراف الناس وحتى المثقفين والكتّاب إلى تأمين شئون حياتهم المعيشية، وأصبح الكتاب رفاهية، لقلة ذات اليد، ورغم هذا المشهد الكئيب إلا أن دور نشر وطباعة محلية تحاول أن تدعم الانتاج الأدبي بشكل معقول، فالإصدارات لم تتوقف، والشباب منهم ينخرط في عملية تفكيك أزمة الكتابة والكتاب بطرق حديثة، واعتمادهم على شبكة الانترنت.
وذكر تايه أن اتحاد الكتّاب يحاول تخفيف أزمة عدم الإقبال على المكتبات من خلال تشجيع برامج ورش العمل والندوات والأمسيات الثقافية في هذه المكتبات لتحقيق حضور المهتمين بالثقافة إليها، والعمل على إعادة اكتشافها، وتزويدها بكل الإصدارات الجديدة التي تطبع في قطاع غزة.
ووجّه دعوة عامة لرجال الأعمال والمؤسسات الرسمية لدعم المكتبات بشكل عام، ودعا أرباب البيوت والأسر القادرة على إنشاء مكتبات منزلية لنشر الثقافة والمعرفة وعدم الاكتفاء بالكتب المدرسية.
























